غربة واغتراب

ليست الغربة أن تترك أهلك وبلدك وتسافر تاركاً وراءك الحارة والجيران ومنعطفات الطرقات وشوارع الطفولة والمدرسة وكتب القراءة والرياضيات.

وليست الغربة أن تنقطع عن عاداتك وتقاليدك وأهوائك والأمكنة التي تغلغلت في ذاكرتك.. بل قد تعيش الغربة وبأقسى حالاتها وأنت في بلدك وبين أصحابك ووسط أسرتك خاصة إذا كنت من ذوي النفوس الأبية والحساسة وتمتلك رؤياك المستقبلية التي ستدلك على الخراب الذي يحيط بك والذي لا يمكنك تقبله.

من هنا تنشأ الغربة حيث يتم رفض الواقع البشع والحلم بواقع آخر أكثر عدالة وإنسانية وجمالاً.

إن الغربة غربة الروح وليست غربة الجسد فقط. لذلك تشتد الغربة في الأوقات التي تضيع منا طريقة التواصل مع أهلنا أو أولادنا أو مؤسسات عملنا.. كثيرون يقضون عمرهم في حارة من الحارات وهم غرباء عنها تماماً لأنهم لم يستطيعوا أن يكونوا منها ولم يقدروا أن ينسجوا علاقات معها.. لأنها لا تشبههم في عاداتها ولا في سلوكها ولا في ألوان بيوتها.. وقد تصل الغربة إلى الولد وأبيه. وإلى الأم وابنها وإلى الزوجة وزوجها حيث ينعدم الحوار وتتعارض الأفكار وينتهي الكلام بانتهاء التفاصيل المشتركة التي تجمع الفرد بمحيطه سواء كان حبيباً أو صديقاً أو أباً.

وللغربة أسباب أخرى، فقد يكون الشخص بطبعه هو المسؤول عن غربته حين لا يتوافق مع طباع المجموعة ولا يتآلف مع فكرها وقيمها ولا يقبل أن يسير تحت مظلتها أو يخضع لشروطها الناظمة لحياة معينة. فليس كل غريب على حق وليست كل غربة هي فرط حساسية أو فرط اعتراض واحتجاج.

لكن بالعموم أكثر من يعاني الغربة وهم بين أهلهم وفي أوساطهم هم الأدباء والمثقفون والأذكياء الذين لديهم فرط حساسية تجاه سلوكيات معينة هم يعتبرونها خاطئة أو نافرة ولا يمكن أن يتحملوها بينما المجتمع لا يراها كذلك.. كما أن أصحاب الرؤى النفاذة الذين يرون ويستكشفون المستقبل الذي لا يراه غيرهم وبالتالي يتعارضون مع مجرياته وتفاصيله.

ويوماً بعد يوم وفي ظل التطورات والتغيرات التي تحصل في العالم كله.. العالم الفاسد الهائج الجائع المتعطش للحروب والدماء، تزداد غربة الشخص حتى عن نفسه لدرجة بات كل شخص يحيط نفسه بشرنقة ليشكل عالماً خاصاً بذاته لا تعنيه سوى مصالحه ولا يرى سوى همومه ولا يفكر إلا في الطريقة التي تساعده على الخلاص من هذا الخراب الذي يعم الكرة الأرضية.

ولعل الشعوب التي تعاني من الحروب هي أكثر الشعوب اغتراباً وضياعاً وفقداناً للصبر والأمل.. وما أشد أن يفقد المرء الأمل حيث عندها تتساوى لديه الأشياء والألوان والأيام، فيشعر أنه مجرد رقم لا أكثر أو أنه آلة تسير بفعل العزم الميكانيكي وليس بفعل اندفاعة الحياة، إذ يعتبر نفسه غير فاعل وغير منتج فيقف مثل متفرج على حفلة سيرك صادفته ولم يصادفها.

إن الفساد المادي والأخلاقي والخراب الروحي الذي يعمّ العالم لم يترك لمن لديه بصيرة سوى الحزن والاكتئاب الذي من أسبابه العميقة هذه الغربة القاسية بين الذات والآخر وبين النفس وذاتها، ليصبح كل شيء مسيراً بنظر المغترب وليس مخيراً.

من هنا نجد أن المغترب المهاجر الذي يقض مضجعه الحنين إلى بلده وأهله أقل عذاباً وأهدأ بالاً من الذي يعاني غربة روحية قاهرة لا يستطيع الخلاص منها. وقد تنتج هذه الغربة نصوصاً مميزة عند المبدعين وقصائد متفوقة عند الشعراء واختراعات عظيمة عند العلماء إن غربة الجسد تزول بزوال السبب وذلك بالعودة إلى المكان المحبوب وإلى الأهل والخلان.. إنها غربة آنية، بينما غربة الروح غربة أبدية لا يدركها إلا من يعانيها.

معاً على الطريق - أنيسة عبود

 


طباعة