الأغنية السورية والصمت

في ظل الأوضاع الراهنة التي نحاول تمريرها من دون خسائر كبيرة ومن دون أسئلة صادمة حتى لا نشعر بفداحة، لا بد من السؤال عن الأغنية السورية أين هي، وإلى أين وصلت بعد تألقها وانتشارها الواسع خاصة بعد تراجع الدراما وانحسار وهجها؟.

ولما كان للأغنية دورها الثقافي والجمالي فلا بد من الانتباه إلى أنها غائبة أو مغيبة، وبالتالي استبعدت عن دورها في رصد التحولات الاجتماعية والسياسية. فإذا كان للأدب هذا الدور الريادي في التأريخ والتوثيق وإثارة الأسئلة، فكذلك للأغنية دور كبير مؤثر في الشعوب على مرّ الأزمان.. فهي لا تحرك المشاعر فقط ولا تثير أشجان العاشقين فقط.. إنما تلعب دوراً هاماً في تهذيب المشاعر والعواطف الإنسانية والجمالية.. كما أنها تساعد على بث روح الشجاعة والإخلاص والتضحية.

إن الأغنية السورية في بداية الأزمة لعبت دوراً هاماً في تمجيد البطولة والشهادة والإقدام.. وكان لها ألقها وحضورها في ساحات المعارك وفي رصد مواجع الوطن. وكان الفنان السوري الملتزم يصنع أغانيه ويمولها ويبثها عبر قنوات خاصة، ويقترض من أجل أن يبث مشاعره عبر الموسيقى فتترك أثرها الشجي والوطني في المتلقي.. ومن هذه الأغاني التي انتشرت وحفرت في وعي الناس (يا تراب بلادي) للفنان أذينة العلي الذي أجاد في الكلام وفي اللحن وأصاب الهدف وحقق الغاية، فكانت على كل لسان وخاصة حين تتحرك مواكب الشهداء.. وهناك أغنيات عديدة لمطربين جادين نجحت ووصلت بسعي وجهد الفنان وحده من دون دعم من قبل الجهات المعنية، ما أصاب الفنان بالعجز المادي، ما أدى إلى توقف الكثيرين عن تقديم الأغنية الوطنية وحتى العاطفية.

إن الشعوب المتحضرة تدرك تماماً أهمية الأغنية وأهمية الموسيقى وحساسيتها بالنسبة للمجتمع، إذ قد تؤثر الأغنية في الوجدان الجمعي أكثر من عشرات الكتب أو مئات المحاضرات.

من هنا يجب على الإعلام الوطني المساهمة في تبني مشاريع الأغنية الوطنية والعاطفية لأنها ليست مشاريع ترفيهية فقط ، بل هي مشاريع ثقافية فنية تعكس الصورة الحضارية والجمالية للمجتمع.

غير أن الواقع في سورية غير ذلك.. مع الأسف، لقد غابت الأغنية السورية عن المحطات التلفزيونية و غابت أخبارها عن المجلات والجرائد.. وكأننا بلا إرث موسيقي كبير والخوف عليه كبير أيضاً.

وكما غابت البرامج الثقافية الجادة والمحترمة عن الشاشة السورية غابت الأغنية السورية.. ولم يعد لها مكان في البرامج التي يتكرر مضمونها وأهدافها عبر تغير العناوين والشارات لا أكثر، لتبقى برامج التسلية الآنية وغيرها شاغلة للمعدين والمنتجين وخاصة في شهر رمضان من دون الالتفات إلى الأغنية.

وللعلم.. الفنان السوري محاصر.. وقلما يشركونه في مهرجانات عربية أو دولية.. ويكون الحصار شديداً على الفنان الملتزم بقضايا وطنه وشعبه والمنتمي إلى جيشه وشهدائه أكثر من غيره، فيقع في العجز المادي والمعنوي .

هذا الحال الصعب انعكس على الفنان السوري وعلى الأغنية السورية التي تعيش في الظل بعيداً عن ضوء الترويج والدعم والاهتمام.

إن التقصير الإعلامي بحق الأغنية السورية غير مبرر.. على الأقل كانت الأغنية الوطنية تذاع بين الفقرات وبين البرامج الإخبارية ما يعطي تنوعاً ولطافة للبرامج الجافة.

صحيح أننا نعبر حرباً شرسة.. وربما يقول قائل (ليس وقت الأغنية الآن).. ولكن كما نحتاج إلى الكتاب والدراما.. نحتاج إلى الأغنية لأنها توجه رسالة وتوصل فكرة.. والفكرة تنبت في الكلمة، والكلمة رصاصة من نوع آخر.. تقاتل و تحارب كما تحارب حبة القمح وشجرة الزيتون ومياه النبع.

إن الأغنية ثقافة، ومتعة، وتدل على الحضارة الثقافية للبلد.. وكلنا يذكر الأغاني الوطنية لأم كلثوم وما أدته من دور في الحروب من استنهاض للحس الوطني والقومي.. ونذكر ما قام به جمال عبد الناصر من تكريم ودعم، وما كتبته الصحافة في ذاك الزمن، إذ كانت الأغنية تؤجج المشاعر الوطنية والنضالية في الأزمات، ومن جهة أخرى كانت الأغنية العاطفية تنتشر في الوطن العربي كله حاملة اللهجة المصرية الجميلة.. فمن من العرب لا يفهم ويحفظ تلك اللهجة ويتفاعل مع همس النيل وسكون الأهرامات و( قلّة ..أي جرة ) عزيزة؟.

إن الأغنية السورية انتشرت في كل الوطن العربي وهي تمتلك كل مقومات النجاح، ولا يجوز أن نتركها تتراجع كما تراجعت الدراما السورية، لذلك هي تحتاج إلى الدعم والاهتمام الإعلامي والحكومي حتى لا تذوب كشموع في العتمة.

معاً على الطريق - أنيسة عبود

 

 

 


طباعة