كيف الحال

لا أحد يسألن السوري عن أحواله..

 فما أن تقول له صباح الخير حتى ينفخ في يديه وكأنه يتأهب ليضربك، لكنه سرعان ما يحدق بك في نظرة منكسرة ويقول «أي خير وأي صباح؟» رزق الله على زمان، كانت فيه بيوتنا عامرة بالخيرات. ولكن فجأة يتوقف عن الكلام ويمشي تاركاً حسرة وراءه، فتشعر بإبرة تخز قلبك وأنت تردد سراً «متلك أنا».

أما إذا ما سألت جارك بعد أن تصبّح عليه «كيف الحال؟» مع أنك تعرف أن الحال «مش ماشي» وأنه واقف في مكانه منذ عدة سنوات، واليوم هو يمشي إلى الوراء.. ولكنها كلمة تعلمناها وورثناها عن أجدادنا وصارت لازمة لكل سلام وكلام «كيف الحال؟».

البعض يرد «على الله» ويمضي البعض الآخر يرد بعصبية وكأنك تسخر منه وأنت ترى حاله ابتداء من حذائه المقشر وسترته الباهتة التي يمسك بياقتها وهو يقول: «انظر هذا هو الحال.. ألا تعرف الأحوال حتى تسألني وتفتق القهر الذي أخبئه في قلبي؟.. يا أخي الله وكيلك الذي يجري في سورية لم يجر على دولة في العالم.. وما نعيشه اليوم لم يعشه أجدادنا حتى في أيام السفر برلك. يتنهد الرجل ويصمت قليلاً فترد موظفة من طاولة أخرى وقد بدا التعب على وجهها وعلى صوتها وتجهش بالبكاء وهي تقول: «لم أجد حليباً لطفلي.. ولم أجد أدوية لزوجي». ثم تنسحب من الحديث ويستمر الباقون.. هذا يتأفف من الدوام غير المجدي وذاك من الراتب.. وثالت يشتم أميركا، ورابع يلعن أردوغان، وخامس يحدثك عن ابنه المفقود.. وهكذا عليك أن تقف ساعة أو أكثر حتى يصلك الجواب على كلمة «كيف الحال؟».

وما أن تستقر في مكتبك الكئيب وتطلب فنجان قهوة حتى تشعر برغبة في البكاء.. تريد أن تبكي لأنك عاجز عن العطاء.. فابنتك تتوسل لتشتري لها ثياباً تليق بالجامعة.. وابنك يريد خط إنترنت.. وزوجتك تريد نصف كيلو لحمة في الشهر لتضحك به على الأولاد كما تقول. وأنت ماذا تقول؟.

هل تخبرها عن أحوال رفاقك أم عن حالك؟.. أم تقص عليها حكاية قطعان الأغنام السورية المسروقة والأبقار التي تموت بالجدري لتكف عن طلب اللحمة؟ أم تحكي لها عن القمح المحروق والنفط المسروق وقانون قيصر الذي يعاقب كل سوري يحب وطنه ويحتمي بكرامته ولا يقبل أن يلبس الطاقية الصهيونية ولا العثمانية ويأبى أن تقسم بلده؟ ولكنك تسكت فجأة وتبتسم للمحاضرة التي دبجتها وهيأت نفسك لإلقائها على أولادك وزوجتك.. فهذه الديباجة المكررة لن تسكت قرقعة البطون ولا لهفة الأولاد للحياة.. فتطفر الدمعة من عينيك وتنحني على مكتبك لتلتقط منديلاً ورقياً تخفي به وجعك.. فينظر إليك زميلك ويسألك: «كيف الحال؟».

وهنا يأتي دورك وترد بصوت انفعالي غاضب: «حال شو؟.. وعن شو عم تسأل؟»..

عن الخبز والفاكهة أم عن احتكار الدواء والغلاء والزيت والكساء؟ عن هيبتك المطعونة أمام الأولاد.. أم عن الأيام الرتيبة منذ عشر سنوات؟.. عن الكورونا؟ أم عن قانون قيصر؟ عن ترامب الذي يتحكم بالعالم ويقود الكرة الأرضية أمامه كقطيع أو كثور هائج داهساً الجميع، ولا أحد يتوجع أو يعترض أو يحاول الهرب؟ وفوق كل ذلك تحاصرك الرواتب التي لا تشتري حذاء.. فضلاً عن حصارك من قبل السفهاء و«الحرامية» والمرتشين وأذناب المسؤولين وكومة المحتالين والنصابين. إضافة؟؟ لا.. لا تكمل.. يقول زميلك.. كفى.. أعرف باقي المحاضرة الشيقة..

أخي: السلام عليكم.. دعني أكمل شغلي..

معاً على الطريق - أنيسة عبود

 

 

 

 

 


طباعة