ما لا ينسى...

لم أعد أتذكر من هي المطربة العربية التي أدت أغنية بعنوان نعمة النسيان!! الحقيقة أن النسيان يمكن أن يكون نعمة يمكن أن يكون نقمة وكارثة؟!

النسيان آلية دفاعية للدماغ كي تستمر الحياة، ولولا النسيان لقضى البشر بين الحزن والجنون.. و من نشاط الروح والعقل والذاكرة القائم على النسيان ولد الحنين الجميل.. ولو كان حزيناً.. بمعنى الشجن. الدماغ يدفع بالأحداث الحزينة الكارثية إلى خلفية الدماغ فلا تطالعك إلا عند استهداف استحضارها، ويستحضر إلى سطح المكتب الأحداث الحميمية الجميلة.. لذلك ترانا نحنّ إلى الماضي.. وغالباً ما يكون ذلك بفعل تغييب كل الوقائع المثيرة للحزن أو للخيبة.. أو للقرف أو الكراهية مثلاً!..

لكن النسيان يمكن أن يشكل أكبر وعاء للخيبات والهزائم.. ويتحقق ذلك بشكل عميق وواسع عندما يصر العقل الإرادي على الدفع بما لا ينسى إلى وعاء النسيان!!.. فتكون المأساة أنك تحاول، فتعمق الذي تهرب منه باتجاه النسيان، وتفشل في تحقيق النسيان، لتتراكم الخيبات والهزائم فتنتج سلاسل طويلة من الكوارث.

في حزيران 1967 تعرضت الأمة لأكبر هزيمة في تاريخها المعاصر.. وهي الكارثة التي مازالت راياتها تترى على العرب.

هزيمة حزيران حرضت العقل العربي لاستبدال المشهد المستحيل ببديل ما.. لم يخطط هذا العقل لابتكاره.. كطريق واضح توصل إلى المشهد البديل الذي يضمن الوصل إلى وأد الهزيمة..

من ناحية انطلقت المقاومة.. وتمثلت بشكل رئيس بالعمل الفدائي الفلسطيني.. الذي تقدم في رسم خطوط للأمل.. لكنه كان دائماً محاطاً بذيول الهزيمة الحزيرانية.. وبفعل محاولة النسيان للأنظمة العربية المهزومة، لهثت وراء الفدائي.. ونقلت إليه فكرها وهزيمتها وكذبها..

وعلى شبح الانتصارات "المهمة" التي حققها العمل الفدائي.. كان الدعم المالي.. الخليجي بشكل خاص.. فمالت الدنيا إلى الاستعراض.. وهو أسمك رداء لفرض النسيان الكارثي للحقائق..

حالة الاستعراض هذه واجهت النتائج المباشرة لحرب تشرين 1973 التي سعى فيها العرب.. "سورية ومصر" لتغيير المشهد الذي فرضته حرب حزيران.. وصولاً الى رقصة أنور السادات الاستعراضية من تل أبيب إلى كامب ديفيد.. تحت راية الأمل بالنسيان..!!

بين الاستعراض ومحاولة نسيان ما لا ينسى.. وصلنا إلى حيث نحن.. فهل من أمل أن يصحو العقل العربي ليتذكر كوارثنا فيسعى إلى البديل غير الاستعراضي؟؟!!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

معاً على الطريق - أسعد عبود

 


طباعة