قراءة في المدارس الموسيقية العربية

ثورة أون لاين - علي الأحمد: 
أفرزت المدارس الموسيقية العربية ومنذ القدم تيارات عديدة في مسارات الكتابة والتأليف والممارسة وهذا التنوع في تناول الأساليب اللحنية كان له خلفياته ومرجعياته الثقافية والفكرية خاصة بُعيد الارتحالات والسفر الثقافي الدائم نحو الآخر بمامنح موسيقانا في حقيقة الأمر القدرة على التكيف والاندماج في موسيقات الشعوب من منطلق التثاقف والحوارات الحضارية التي لم تنقطع الى يومنا هذا .
- لكن بالمقابل أفرزت هذه المدارس وعلى الضفة المقابلة تيارات تغريبية أضفت على هذه الموسيقى ثوبا حداثيا طفى على السطح من دون أن يلامس عمق وجوهر وخصوصية هذا الفن النبيل الذي كان ولايزال أحد أهم روافد الابداع في الثقافة العربية حدث ذلك منذ أن طفت تلك الصراعات المريرة مابين المدرسة الموسيقية العربية الكلاسيكية التي قادها الموسيقار الكبير " اسحاق الموصلي " في العصر العباسي وخصمه اللدود الأمير " ابراهيم ابن المهدي " صاحب المدرسة التجديدية وهو ماتوسع لاحقا مع تيارات وتقاليد وأنماط نتيجة تداخل حدود الدولة الاسلامية التي وصلت الى حدود الصين وبلاد الأندلس وغيرها فتداخلت التأثيرات الموسيقية بين شعوب هذه المنطقة الشاسعة وامتزجت فيما بينها بما ولد تقاليد جديدة وألوان موسيقية دخلت في صميم النسيج النغمي العربي ومنحته اشراقات لونية وتعبيرية مهمة ولعل هذا المسار الثقافي الذي حافظ عليه الموسيقي العربي ودافع عن قيمه الانسانية الرفيعة ماكان له أن يترسخ في روافد الابداع الحضاري لولا نزعة الحداثة وتمرد هذا الموسيقي على لغة الجمود والسكونية المريضة التي أفرزتها ظروف تاريخية واجتماعية معلومة .وبالتالي محاورة الموسيقي المغاير من منطلق ندي ومعرفي في سبيل الوصول الى قواسم ابداعية مشتركة تسعى الى خلق واجتراح حالات جمالية وذوقية تثري هذا الفن وتخصب مفردات هويته الوطنية وعناصر الابداع فيه .ومع منتصف القرن الماضي دخلت على الحياة الموسيقية العربية وتحديدا في السبعينات منه موجات تغريب وتقليد ألقت بظلالها على معالم وبنية هذه الحياة لتفقد موسيقانا شيئا فشيئا الكثير من سماتها الابداعية وخصوصيتها المائزة مع أغان أقل مايقال فيها أنها سطحية وفارغة من أي معنى أو قيمة ابداعية تذكر وهذه الموجات المتلاحقة التي أطلق عليها أغاني الفرانكو آراب واستمرت الى يومنا مع نتاجات العولمة ومابعدها جاءت بمثابة رد على تيارات المدرسة الموسيقية القديمة التي رفض اتباعها مفهوم التجديد والحداثة المعرفية بحجة الحفاظ على التراث والموروث الابداعي الناجز لتتصارع هذه التيارات مابين القديم والحديث بين الأصالة والمعاصرة في معارك دونكيشوتية فارغة لم تنتج الا مزيدا من الخراب والبؤس الروحي والوجداني الذي تفصح عنه نتاجات هذه الألفية الثالثة العتيدة .لكن ذلك لم يمنع مدرسة الحداثة والتجديد المعرفي المعقلن الذي اطلق ثورته الموسيقية الموعودة الشيخ سيد درويش ومن تتلمذ في مدرسته الموسيقية العظيمة من أن يكتبوا موسيقى عربية حداثية تواكب العصر وتقنياته في الكتابة والتأليف انطلاقا مما هو ناجز ومكرس في الذاكرة الجمعية العربية لتعيش معها موسبقانا العربية أزهى وأعظم مراحلها التاريخية على الاطلاق بالرغم من الظروف الصعبة التي واجهت هؤلاء الفرسان النبلاء سواء من تيار المحافظة على الهوية أم من تيار التغريب وتقليد الآخر بشكل قردي مريض على رأي الباحث الدكتور " محمود قطاط " ومع أن الواقع الموسيقي اليوم ينذر بانتكاسات جديدة الا أن هناك فرسان جدد ممن يمتلكون المعرفة الاكاديمية يسعون ما استطاعوا اليه سبيلا الى خلق واجتراح هذه الموسيقى العربية البديلة وخلق حالة من التوازن مع نتاجات الاستهلاك المريض الذي يسود العالم ككل .وهم بشكل أو بآخر يعملون بدراية ومعرفة على تجسير الهوة السحيقة التي حدثت بين الأجيال والمدارس الموسيقية العربية مع ادراكهم للعوائق والسدود التي تقف في وجه مشروعهم التنويري النبيل .


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.