مايفعل المتلقي العربي بكل هؤلاء المغنين؟

ثورة أون لاين - علي الأحمد: 

هل من أحد يملك الجواب؟ فالجواب مؤجل الى أن تتحقق الشروط والمعايير النقدية والجمالية المغيبة، في الحياة الموسيقية المعاصرة، وهذا محال، لأن اللغة التجارية المريضة، تتسيد وتقول كلمتها، في هذا المشهد العبثي، الذي يواظب عبر المال الفاسد، على صناعة النجوم الخلبية، وصناعة الإقبال عليها، كقدرٍ لامفر منه.
وهنا يخطر في البال السؤال :"لماذا تهدر كل هذه الأموال، في سبيل فن هابط ومنحط يموت بعد لحظات من ولادته؟ وهل يدرك أصحاب هذه الدكاكين الانتاجية والاعلامية أية كارثة وخراب وبؤس روحي ووجداني تحملها نتاجاتهم الكئيبة على المتلقي العربي المسكين الذي لاحول ولاقوة له، المجبر على تجرع هذه الوجبات الحسية المسمومة، كي يصبح متحضرا يماشي ذوق العصر وذائقته التي تحيط بها أكثر من علامة تعجب واستفهام؟ بالتأكيد لايهمهم هذا الأمر، لأن الهم التجاري غسل عقولهم وضمائرهم وبات العثور على عمل ابداعي يمتلك معايير جمالية أشبه بالمستحيل. فالجميع بات منخرطا في هذه اللعبة الكونية، ولم تعد القيم والقيمة ذات شأن، المهم أن تكون السلعة جذابة ومشوقة وتوقظ المكبوت بدءا من الكلمة وصولا الى الصورة وصعودها المرعب خاصة حين تحمل رسائل وايديولوجيات وافدة لاقدرة لأحد على الوقوف في وجهها أو الحد من خطورتها على الأجيال وتشكيل وعيها وذوقها وفقا لمتطلبات هذا السوق المعولم المفتوح للجميع وعلى مدار الساعة، وهذا مع الأسف ينسحب على كل الأنشطة الفنية في العالم، وليس فنوننا العربية بمعزل عنها ، إنه عصر العولمة ومابعدها، عصر حضارة البلاستيك والضغط الأبله على الأزرار بغية إحضار ماتريد وقت ماتريد وبالمجان خدمة لرقيك وتحضرك، إنها ثقافة القطيع المنتشرة في العالم ككل، حيث الجميع يلبسون نفس اللباس ويأكلون نفس الطبق وبالتالي يشاهدون نفس الأغنية لمغنين ومغنيات يمتلكون كل شيء، إلا العلم والمعرفة والموهبة الربانية، إنه زمن اللا فن، حيث تغيب المعايير الجمالية والنقدية التي وسمت أغلب النتاجات القديمة وفي كل موسيقات الشعوب، من دون إدراك ووعي لخطورة هذا المسار التجاري على الهويات الوطنية ومكتسباتها والنيل من خصوصيتها وعناصر الابداع فيها. فمن المسؤول عن هذه الكوارث التربوية والأخلاقية التي تحيط بالمنتج الغنائي العربي في إلفيته الثالثة؟ لا أحد يملك الأجوبة، ولا أحد يريد المساهمة في وقف هذا الانحدار والهبوط الفني وغياب روح الابداع والتجدد الخلاق، فالكل استكان للسائد المطروح، لأن ثمة قضايا أهم باتت الشغل الشاغل للجميع، ولم يعد يهم إن أصبح هذا الفن مرتعا خصبا للمهرجين والدجالين والأدعياء والبقية تأتي. ولم تعد صرخة الشاعر أحمد رامي تنفع في زمننا الشحيح الضنين بالابداع الحق، "يا أهل المغنى دماغنا وجعنا". هذا الشاعر العظيم الذي كتب للزمن الجميل روائع خالدة لاتنسى، أصبح ياللمفارقة، له أشباه يطلقون على أنفسهم بمعية الاعلام الأصفر أسم شعراء يكتبون روائع على شاكلة "بحبك ياحمار، وبوس الواوا ، وآه من نصي التحتاني، وركبني المرجيحة، وغيرها من ابداعات وملاحم شعرية تعبر بكل صدق الى ما وصلنا اليه من إسفاف وانحطاط ورداءة، أي زملاء لهوميروس وهاينه وشكسبير والمتنبي وابو نواس.كما يطلق على كل من يمتلك كيبورد اسم "موسيقار " أي زميل لبيتهوفن وموزار وتشايكوفسكي وسيد درويش والقصبجي ومحمد عبد الوهاب، مع أن ماينتجه هؤلاء يفتقر الى الحدود الدنيا من الجدة والابتكار ولايجوز بالمطلق إطلاق اسم موسيقار في موسيقانا العربية إلا على من يكتب مؤلفات وأعمال موسيقية آلية، ضمن مسار ومسارات اللغة الكلاسيكيةالعظيمة. ورحم الله شاعرنا الجميل "عبد الرحمن الأبنودي " حين قال :" إننا نعيش بزمن كاريكاتوري بإمتياز".