فيفيان الصائغ في صالة مشوار ..مأساة كاملة مجاورة للفرح ..

ثورة أون لاين - أديب مخزوم:
معرض الفنانة التشكيلية فيفيان الصائغ، الذي أستضافته صالة مشوار، تحت عنوان " تركواز" جسدت فيه الأحاسيس والانفعالات الداخلية ، وجنحت هذه المرة نحو المزيد من الحرية في تجسيد عناصر الأشكال الإنسانية والحيوانية. ومن هذا المنطلق تؤكد من جديد علاقتها بالثقافة البصرية الحديثة ، التي جاءت بشكل عفوي بعد سلسلة تجاربها المتواصلة ( ومشاركاتها في معارض عديدة ) زادت قناعتها بالبحث عن أسلوب تعبيري متحرر . فالبحث التعبيري هنا هو إحساس بالقدرة على بناء أجواء اللوحة، بضربات وحركات لونية متتابعة ومتجاورة ومشحونة بعنف التوتر الداخلي الإنفعالي، الذي هو انعكاس لتوترات الخارج المشحون بالرعب والاضطراب والتناقض اللامعقول .
توترات الخارج
ولهذا يمكن القول أنها ترسم دراما تفجيرات الانفعالات المترسخة في الأحاسيس ، والتي غالباً ما تظهر على سطح اللوحة عبر توترات اللمسة اللونية الصارخة والمتفجرة ، كما لو أنها انفجارات لبراكين ناشطة لا تنتهي . فهي تقطف الإيقاع اللوني الانفعالي العاصف، الذي يحمل انفجارات الخارج المشبع بالصدمات والتوتر والاحتقان .
فلوحات فيفيان الجديدة تعكس دراما الحياة المعاصرة المجبولة بعنف التوتر اليومي وانكسارات الزمن الملتصق بأجواء الحرب، كأنها تريد أن تقول لنا أن الفنان لا يمكن أن يتملص من ذاته ، لأن الفن هو جزء أساسي من حياته، ولهذا لا يمكن وضع حدود بين التشكيل الانفعالي الذي تمارسه، والإحساس بأزمة الحروب والمجازر .
فهي تؤكد في لوحات معرضها الجديد أن الحالة التشكيلية المستوية والفراغية، هي المدخل الحقيقي للحرية التعبيرية المتفاعلة مع الحياة المصطرعة بأحداث الحروب ، فعندما تكون الألوان متوترة في اللوحة، فهذا يعني أن الحياة الداخلية والخارجية للفنان متوترة ، إنه اكتشاف جديد للفن الحديث يؤمن بالتفاعل مع الواقع ومعايشة تساؤلات فصول الحروب، والاستجابة لقدرة اللوحة الانفعالية على التعبير عن الواقع الإنساني المأساوي الموجود في عالمنا الراهن، لاسيما وأنها أوحت بوجود حريق كبير أمتد إلى الإيقونات، التي ترمز إلى العيش المشترك بمحبة وسلام .
تخريب مقصود
وهي تعيد إلى الأذهان بعض الاتجاهات الدادائية الأوروبية ، التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، حيث أجرت تخريب مقصود لبعض أعمالها، لمضاعفة القوة التعبيرية والإيحائية في عناصر الأشكال الرمزية المخربة والممزقة والمشقوقة . وهذه الطروحات بإطارها التعبيري والرمزي والدادائي، جاءت بتحويل إحدى قاعات المعرض إلى فسحة للحوار والتأمل والوصول إلى علاقة حقيقية مع مع الطروحات المتفاعلة مع الحياة الراهنة ، وهذه العناصر التخريبية المقصودة لبعض أعمالها تزيد من ارتباط معرضها بقلق حياتنا المعاصرة، وهكذا تصبح اللوحة والعمل الفراغي بمثابة منطلق ومدخل للتعبير عن تشنجات القلق الإنساني .
هكذا تذهب إلى تحويل اللوحة والعمل الفراغي، من الصياغة المألوفة والمستهلكة لإثبات الحضور التعبيري الإنساني، والبحث التقني الصرف، الذي يعمل قبل أي شيء آخر، على إبراز جمالية لونية غنائية تبحث عن إيقاعية التشكيل التأليفي والتلويني، الذي يتجسد على سطح اللوحة بالانفجارات اللونية ، المعبرة عن تشنجات وقلق حياتنا اليومية المعاصرة .
طيور مهاجرة
وفي إحدى لوحاتها تجسد الطيور، التي آثرت الرحيل من أماكن الإشتباكات والتفجيرات إلى الأماكن الآمنة، وفي معرضها، جعلت المشهد مشدوداً أكثر إلى الخارج ، أي إلى الشمس والأجواء النورانية ، ولهذا نرى الألوان قد خرجت إلى الهواء والضوء الساطع ، وبدت أصرح وأفصح في التعبير عن الأجواء الأيقونية في مساحة اللوحة . ولم تكتف بتحقيق صورة المرأة والتاريخ، بل عملت لتحويل اللوحة إلى ما يشبه القطع البانورامي أحياناً، الذي يحقق رغبة بارزة بإطلاق التكوين نحو السرد القصصي المعبر عن الواقع المأساوي والعصر .
وتضفي ايقاعات خطية ولونية على أجواء لوحاتها ، ومن ثم تتحول إلى التشكيل العفوي ، الذي يخفف من حدة حضور المساحات الهندسية . وتظهر تنويعات الوجوه ، أحياناً كحلقات متتابعة تعكس أحاسيس التعليب الانساني ، رغم بروز حالات الأمل والتفاؤل والرغبة بالخلاص . وبالتالي تتحول اللوحة عند فيفيان الصائغ الى أيقونة حديثة تتصدى من خلالها لهذا الخراب الروحي الذي أدى الى تدهور قيمة الإنسان ، ولا سيما في الامكنة التي شهدت وتشهد حالات الخراب والدمار والموت المعلن، ومن أجل ذلك أظهرت رغبتها في اسقاط الاقنعة التي تغطي الوجوه والضحايا . كما لو ان الفكرة التي تبحث عن أجوائها التعبيرية ، ليست سوى صرخة رفض لواقع حاد ومفجع ومفتوح على بشاعة الحياة وآلامها .
هكذا تظهر تأثيرات الواقع المتفجر، بشكل مباشر في نسيج لوحاتها ومجسماتها الفراغية ومقاطع الفيديو، التي بثتها على شاشة داخل الحجرة، المعبرة عن جحيم الحروب المتواصلة في عمق حياتنا اليومية . ومن خلال اللمسات اللونية المتداخلة مع الإحساس الداخلي الانفعالي، الذي يقطف الإيقاع الخارجي المتغلغل في حركة حياتنا الراهنة المشبعة بالصدمات والتوتر والعنف في أزمة الحروب المتواصلة أو المتعاقبة دون نهاية . وفي ممارستها الفنية اليومية ترفض الانصياع للواقعية المتزمتة، وتطرح الموضوع كقضية جمالية تتجاوز معطيات الصياغة الاستهلاكية، بهدف الوصول إلى جوهر التعبير عن الأحاسيس الإنسانية ، وهذا يعطيها المزيد من الحرية في تحريك اللون وصياغة الخطوط ، بحيث تتحول الأشكال والعناصر والرموز إلى مساحات لونية وحركات خطية، فيها الكثير من التنويع العاطفي والوجداني والذاتي .