شوبنهاور و حكمة المسافات

 ثورة أون لاين-ميسون حداد:

كم يكون رائعاً لو استطعنا معرفة القرار الصائب دائمًا لنقوم به؟ كم يكون مريحاً لو كانت خياراتنا مرسومة بالأبيض والأسود؟ لكنّ الحياة مليئة بالمواقف الرمادية.. يقول ابن خلدون في مقدمته، " إن الإنسان اجتماعي بطبعه" أي أنه فُطر على العيش مع الجماعة و التعامل مع الآخرين فهو لا يقدر على العيش وحيداً مهما توفرت له سبل الراحة و الرفاهية. في علاقاتنا مع الآخرين تواجهنا أحيانًا حالات تبدو فيها جميع الخيارات إشكالية حين نتلقى الصفعات وخصوصاً حيث لا نتوقع، فمنذ اللحظة الأولى لخروج الإنسان من رحم أمه، يلقَى صفعةً من الطبيب، تُحيّي فيه معنى وجوده، ولا يُدرك وجوده الأوليّ هذا، إلّا بتلك اليد الحانية، التي تمتد صافعةً إياه تحفزه ليبادر بأخذ أوّل نفسٍ له. وهكذا فالإنسان من أول لحظاته لا يدرك نفسه ووجوده إلّا بمعاونة الآخرين له ولو صفعاً.. هذه العلاقات الضرورية مع الآخرين والتي تحفزنا و تساعدنا على إدراك وجودنا، لها عواقب وخيمة في بعض الأحيان، وهذه العواقب هي التي جعلت غير واحدٍ من الفلاسفة والمفكرين يتنكّرون لفكرة مدنيّة الإنسان باعتبارها ضربًا من الضرورة
ولكنه في نفس الوقت يخشى أن يؤذيه هذا التواصل وهذا ما يوحي بوجود معضلة، إذ كيف نجمع بين رغباتنا في إقامة العلاقات، مع احتمال وقوع الأذى علينا منها؟ ! وهذا ما حاول شوبنهاور الحديث عنه، عبر استجداء رمزّية (حالة القنافذ في الليالي الباردة( نحت شوبنهاور رمز " القنفذ " والذي صار فيما بعد نموذجاً يعرف في علم النفس الاجتماعي بـ"معضلة القنفذ" حتى انّ العالم النفسي الشهير سيجموند فرويد لمّا ذهب زائرًا أميركا لإلقاء بعض المحاضرات قال: "ذهبت لأمرين.. لإلقاء المحاضرات، ودراسة سلوك القنافذ!" شوبنهاور كان يتحدث عن التحديات التي تواجه العلاقات الحميميّة بين الإنسان وأخيه الإنسان، علاقات القرب والبعد، التداني والتنائي. وعمد إلى صياغة هذه العلاقة، بوصف الحالة التي تعيشها " مجموعة قنافذ " في الليالي المطيرة الباردة، إذ يسعى كل واحدٍ منها ليصبح على مقربة من الآخر، من أجل تبادل الحرارة خلال الطقس البارد.
عندما تبرد القنافذ تقترب من بعضها البعض طمعاً في شيء من الدفء، ولكن أشواكها المدببة القاسية تجعلها تنفر من بعضها وتبتعد، فالألم الشديد لا يُحتمل ويُعبَّر عنه بفعل الابتعاد المباشر، ثم يعود البرد ليقرص القنافذ من جديد، وتعود للاقتراب من بعضها مجدداً طلباً للدفء المنشود وأمان العلاقات ، وتتنافر و تتقارب إلى ان تستطيع أن تحفظ مسافة آمنة. ولو أردنا إسقاط الحالة على العلاقات الإنسانية، فإنّ لسع البرد، هي حالة الاغتراب الوجودي الذي يعانيه الإنسان في رحلته الممتدة على هذه الأرض. وأمّا روعة الدفء، فهي الحاجة الوجودية المُلحّة عند الإنسان لإقامة العلاقات وأما ووخز الإبر هي آفة الاقتراب من الآخرين والالتصاق بهم. وعودًا على معضلة القناقذ في الشتاء، فقد لاحظ شوبنهاور قيام القنافذ بحلٍّ جذريٍّ لهذه المعضلة، وذلك بأن قامت القنافذ بطريقه بسيطة وناجحة بأخذ مسافة معتدلة من السلامة تضمن لها الدفئ الكافي وفي نفس الوقت درجة ألم من الممكن احتمالها، وهي عملية أسماها شوبنهار بــ (مسافة السلامة) العلاقات مع الآخرين تتوزع على دوائر عديدة تبعًا لاعتبارات عديدة،
لكن كثيرًا ما تنتهي هذه العلاقات بالفشل، نتيجة الخلطة الزائدة أو اقتحام الخصوصيات أو سوء التقدير.. ، لذا فلا بد من ترك مسافة معقولة وهامش للتحرك والتصرف الخاص وهذه المسافة يمُكننا تسميتها بــ (ذكاء المسافة) والتي هي أساس نجاح العلاقات، أي معرفة متى نبتعد ومتى نقترب، متى نُعاتب، ومتى نلتمس الأعذار مع التجاوز. ولنتذكر على الدوام بأن الإنسان أضعف من أن يبقى في وحدة، وأوحش من أن يبقى في كثرة. حاله حال شمع الحفل.. في الحفل، وحيد ورفيق. وتبقى الكلمة التي قالها أونوريه دي بلزاك تلخيصًا جامعًا لطبيعة الإنسان المترددة بين الوحشة والأنس وبين العزلة والألفة "العزلة أمر جيد ولكنك تحتاج لشخص ما لتخبره بأن العزلة جيدة"