مسرحية سفينة الجنون.. قراءة في ذاكرة المؤلف المخرج نضال حمود

ثورة أون لاين- علاء الدين محمد:

بدايات جمالية فكرية ناظمة لازمت بين أدوات العرض ومساراته.. أدوات خدمت مسارات النص دون مباشرات تعبيرية ابتعد عنها العرض، تركها تعبر عن نفسها.. هكذا شاهدنا شبه قراءات تواترت هنا وهناك لتستقر فوق سفينة من الدراسات الفعلية والحقيقية للوجود بكامل تجلياته الكاملة والمنقوصة..
في بداية العرض أدهشتني أدوات المسرح وديكوراته، المدفن إلى اليسار، نبع الماء إلى اليمين، سرير أطفال بجواره.. المنصة العالية مقدمة للسفينة، حيث الإعلان عن نشر الأشرعة للبدء برحلة مختلفة، أو هي ليست كالرحلات العادية.. هي رحلة في معالم التكوين البشري والخلق، ودراسات متعددة الوجوه.. عرفناها في فلسفات اليونانيين القديمة.. وامتدادها في بعض العلوم البيولوجية المعاصرة..
وإذا كان النص المسرحي المقروء قد ذكّرنا بأسباب الوجود ودرس أهم عناصره، فإن العرض فتح مجالات كثيرة أمام المتلقي للتفكير بجملة من المواضيع الحيوية الفاعلة والسياسية المعاصرة، إذ لا يمكن تجاهل التوحد الخلقي وما يتبعه من المبادئ التي تخص وجودنا الإنساني كبشر.. ولكن هل يكفي هذا العنصر لتحل العدالة بيننا في الأرض.. أم أن الإنسان ولد بأخلاق تنتهك حقوق الآخرين بالاستغلال والاستعباد والسيطرة والسياسة والعسكرة...؟ أسئلة مشروعة تفاعلت بأبعاد موجعة في سياق العرض المسرحي سفينة الجنون، لتجيب وتبحث في مخاضات ملونة ومتنوعة تبدأ أوجاعها مع لحظة التكوين البشري، ولا تنتهي بالولادة.. بل هي بداية البداية للرحلة الصعبة مع الوجود والكون والحياة..
والبحث هنا غير مقفل، إنما هو أبواب مفتوحة على مصاريعها، أبواب ونوافذ لا يمكن إقفالها بكل الفرضيات والخواتيم السياسية والفكرية البسيطة، إنه لغز الروح في شغبها مع الوجود.. لغز خاضه المخرج بجدارة ربان في بحر عاصف، مع ممثلين شربوا الأفكار حتى أثملتهم المعاني والرموز ومآلات الجنس البشري في انتقاله وتنقله بين أسباب وأساليب السيطرة.
حتى هذا الموضوع لم يأت عرضه منفرداً، إنما جاء تتمة لجملة من العناصر، عناصر كانت وما زالت وستبقى متشابكة مع جملة من أسباب بقائنا ووجودنا.. فالماء الذي نشأنا منه وفق نظريات الخلق والتكوين، ربما كان أحد أهم أسباب فنائنا، لأغراض من محركات سلبية تدفع بنا إلى الهاوية.. ومع عرض سفينة الجنون تتناوب على المتلقي موجعات الكون مع تمرد الإنسان على طبيعة الخلق والتكوين لقاء مكاسبه، موضوعات ليست جديدة خبرياً، لكن معالجتها على المسرح أعطاها بعداً جديداً، أو هو وضعها ضمن دائرة الضوء، لتكون العنصر الأهم من عناصر فناء البشرية.. ونحن نعرف تأثيرات النشاطات البشرية القاتلة على غابات الكون وعلى الطبقة الأوزونية.. دون فرار من متغيرات تتناول باطن الأرض وما هناك من ثورات ومتغيرات تهدد بانفجارات يستحيل تقدير حساباتها.. هذا ولا يمكن فصل متغيرات الماء عن متغيرات الهواء حيث تتكامل جغرافية الطبيعة ودوراتها لخدمة كون يعتدي عليه الإنسان وينال من براءته.. هكذا تتوالى هذه المعاني مترابطة غير منفصلة في بنائها ومعانيها، فالسرير على المسرح ووجود طفل صغير يتأرجح بين البكاء والضحك يأخذنا مسافات على دروب التفاعل الطبيعي للحياة، الذي أنجب الإنسان وأعطاه مكانته الحاكمة للكون..
ما جرى في سياق العرض دلالة مباشرة على أنانية الإنسان وتنمره على الوجود الجامد والمتحرك وعلى الشركاء في الخلق، ومن ثم استخدامه ميزة الذكاء استخدامات بدائية قاتلة بعيدة عن الرحمة.. ولعل بدائيته أرحم من حضارته هذه المتمردة الفاجرة..
هكذا تكون نهاية البشرية في مدفن كبير واسع تجسد في ذلك القبر المقابل للسرير ونبع الحياة، نهاية أشارت وتشير لها دوائر العلوم والمعارف ويحذر منها العلماء والباحثون والدارسون.. وتتناولها بالتفاصيل النظريات والصحف والمجلات ووسائط الإعلام الثقافية والسياسية والاجتماعية دون فائدة.. ونحن بهذه العجالة نتجنى مجبرين على الصورة المسرحية المعبرة، إذ تبقى المشاهدة تعبيراً يصعب على القلم..
وفق هذا المعنى كان الفريق المسرحي مشبعاً بهذه الأفكار، فجاء الحراك المسرحي توافقياً مدروساً،انتقل من الاغتصاب العادي إلى اغتصابات لم تتوقف، يندرج في سياقها الاغتصاب السياسي والاقتصادي والاجتماعي.. ويبقى للاستلاب الروحي لون مختلف، أو هو ذو تأثير مباشر يختلف عن التأثيرات الكبرى المؤجلة..
ومما يجدر بنا الاعتراف به، أن هذا العرض يحمل شهية الكتابة في موضوعاته، التي جاءت دلالات من همومنا السياسية والاقتصادية والنفسية والروحية، ولعل رموزها المسرحية محرضة على التوسع في ركوب موجات من المفاهيم المعبرة، الساخرة، المركبة، الفاشلة والناجحة.. على نحو ما هو عليه الهم الإنساني والمسرحي...



طباعة