حين يكون الحب فعلاً مضارعاً..

ثورة أون لاين:

لم يكن الشعر لولا وجود نبض الحب بمعناه الأعم والأشمل، حب الحياة حب العطاء.. أي حب وأنبله وأجله حب الإنسان للإنسان، بمعنى آخر روح الإنسانية المستمرة ديمومة وقدرة على التجدد، لا أن تكون فعلاً ماضياً ناقصاً مضى وعبر وصار من حطام الأيام بما تحمله معها من ذكريات وشجون.
يتقنون الحب.. مجموعة شعرية للشاعر علم عبد اللطيف الكاتب والباحث الرصين الذي يعطي المفردة معنى جديداً يصوغه من جمرها..
يتقنون الحب.. مضارعة مستمرة تشي بدلالات ثرة المضارع يتقنون واو الجماعة التي تصل مداها في المجموعة الشعرية..
من دلالات العنوان الذي لم يختر بهرجة لفظية إنما عمد إلى الفعل وليس أي فعل إنما المضارع الفعل الذي قد يكون مرفوعاً أو مجزوماً أو منصوباً وهو لايريده بالتأكيد ساكناً..
من دلالات الفعل العنوان سنمضي مع الشاعر في محاولة استخراج بعض ما تشي به القصيدة..
جاء النص الأول في المجموعة تحت عنوان :سلام للشعر .. فاتحة المجموعة تزجي تحية الشاعر بنبل معناها لكروم اللغة المعنقدة جملة بهية متماسكة:
سلاماً لك أيها المبارك.. وأنت تجيز وتجوز .. تبزغ وتصدح.. سلام لعيوننا من الشعر .. ينتابها ويشوقها أغاني فضة.. ومحبس دم مزيج.. تتنازعه خاصرتان لا تعتب عليهما الأصابع..
فما من حائز له أن يدعي تملك النعم.. له أن ينقل بصره في واجهة جنان القصائد
يبدع سحناتها ويفصلها روحاً وريحاناً وزوابع.
في تجديد اللغة والجملة الشعرية من داخل الشعر نفسه الخروج عن المعنى المألوف استخداماً (سحنة الشعر) نقل السحنة إلى معنى آخر غير الذي نعرفه، وهنا كما يقول أدونيس تشحن اللغة والمفردات بطاقات جديدة غير تلك التي تجمدت من فرط الاستخدام، وقد حان لها أن تدخل فرن اللغة، ومن غير الشاعر قادر على ذلك؟.
الملاحظ أن ثمة خيطاً رفيعاً في النصوص كافة يجمع الفعل المضارع في كل نص، ومع بداية كل جملة شعرية، في نص واحد يمكنك أن تحصي أكثر من عشرين فعلاً مضارعاً، ما بين المضارعة الزمنية الحالية وتلك المستقبلية باستخدام السين، وهذا يدل على هندسة الجملة والمعنى والقدرة على الإمساك بخيوط النصوص مهما تدفقت اللغة الشاعرية وتشظت المعاني.
الحب ليس ماضياً، بل فعل حياة ومضارعة، لذلك تأتي النصوص مثقلة بالمعنى غير المنظور ، من نص يتقنون الحب:
هي لحظات.. وحفنة سنوات غير مقبوضة /حياة الجميع لا يصح فيها عد أعمار الأشياء، لكنها تتيح دوماً مشهدية متكافئة لمفرداته/ ولا تحتاج (هذه )- -الزمن ذاته وحدات مقاسة /فلكل حامل لحظة/ حساب كشيئة/ يبددها في صنع ايحاءاته/ ولا يعطي كبير أهمية للمساحة ولا القياس.
في شجن الحب وعذاباته، يذهب الشاعر إلى بحبوحة الحلم النقي، في نصه: أمنيات ليست ذرائع: بين الهداية والمسافات /علاقة تسبيب وتنسيب/ تنفع فيهما قاعدة سد الذرائع أحياناً/ المسافة تؤرجح اليقين، وهذا ينام ولا يستكين، ففي اليقين دم سيال /يصل إلى سدرات ولا نهايات/ لا حباً بالاستطلاع فقط/ بل لوثة من صنع القناعة المحكمة / تتكبر كاغتياب / يحملون الورود في أعينهم /تشرب منها عبق هداية محتملة، هي غواية خارقة لوجد متأله/ خاتم صديق كدم جرح الآلهة
ترف معها العينان راية في المسافة المحررة، وتقذفان بشيء من اليقين..
ما بين المصطلح القانوني (سد الذرائع) ولحظة الانعتاق إلى بصمة صوفية تهويمية مسافة هي اللغة، وابتكار للمعنى الجديد (يحملون الورود في أعينهم) يلتقط الشاعر جدلية الحياة ودهشة الفعل المبدع، ليخرج بمجموعة شعرية مخالفة تحمل شيفرة التجديد في اللغة والمعنى والخروج من ربقة الايقاع، إلى هندسة المعنى ودهشته المختلفة، ربما يمكن للمتابع للوهلة الأولى أن يقول إنها اللغة التي تخرج عن معناها ببرودة، لكن الحقيقة أنها اللغة التي تفجر الطاقات وتشحن العقل بمعان لا يمكن أن تستقيم إلا في التركيب الشعري المبدع وهذا ما عمل عليه الشاعر في مجموعته الصادرة عن دار أرواد في طرطوس حديثاً وتقع في 116 صفحة من القطع المتوسط.


طباعة