مايكو فسكي في ذكرى ولادته رسائل الحبّ الخالدة

ثورة اون لاين:

إعداد : رشا سلوم

ينقّب الكتّاب والباحثون في سير من رحلوا، وكثيراً ما يتمّ العثور على كنوز من المعلومات والوثائق، تنشر وتضاف إلى ما نشر سابقاً لهؤلاء المبدعين، وتبقى تحت الرصد والتحليل زمناً طويلاً، من الأشياء الجميلة التي عثر عليها من إبداع مايكوفسكي رسالة كتبها، وهي تنشر لأول مرة حسب ما كتبه عماد الدين رائف في موقع الميادين الثقافي، إذ يقول:
يطلّ فلاديمير ماياكوفسكي (1893-1930) اليوم عبر رسالة تنشر للمرة الأولى بعد 89 عاماً على انتحاره المُدوّي، كان انتحار الشاعر قد شكّل صرخته الخامسة، بعد أربع صرخات أطلقها في قصيدته الشهيرة "غيمة في بنطال" (1914-1915).
وها هو يعود قبيل عيد ميلاده الـ 126،( كان ذلك العام الماضي) فتحت عنوان "ينشر للمرة الأولى" أفردت صحيفة "نوفايا" الروسيّة ثلاث صفحات في عددها الصادر بتاريخ 15 نيسان/ أبريل الماضي ، لعرض وتحليل قسم من رسالة مجهولة للشاعر الروسي فلاديمير ماياكوفسكي. وهذه الرسالة محفوظة في "الأرشيف الروسي الحكومي للآداب والفنون – رغالي" في موسكو، وقد تمكّنت الصحيفة من الحصول على نسخة منها عبر مديرة الأرشيف تاتيانا غوريايفا. وكان عشّاق شعر ماياكوفسكي يأملون خلال الأشهر الماضية أن يُكشَف عن آخر نصوص مجهولة لهذا الشاعر في ذكرى انتحاره بتاريخ 14 نيسان، وهي عبارة عن قصاصات وأوراق من دفتر يوميات يعود إلى شباط 1923، ويتضمّن هذه الرسالة، إلا أنّ المُنتظرين خابت آمالهم ولم تنشر النصوص.
رسالة إلى ليليا بريك
هل يمكن أن أتغيّر؟
من غير المفهوم بالنسبة إليّ كيف أصبحت ما أنا عليه، منذ عام رميت من غرفتي حتى الفراش والكنبة، لأحيا حياة أبسط ما يقال فيها إنها غير عاديّة، كما هي حالي اليوم، كيف أمكنني أن أغدو كالعثّ في هذه الشقّة المُتهالِكة. وهذا ليس عذراً يا "ليتشيكا، بل مجرّد دليل آخر ضدّي، وتأكيد على غرقي.
لكن يا حبيبتي، أياً كان ذنبي الذي اقترفته، فإن العقاب الذي أعيشه يكفي ويوازي كل شيء، أنا لا أتحدّث عن الأشهر الماضية، إذ لم يعد لديّ ماض لا قريب ولا بعيد، وكل ما لديّ أنّه منذ العام 1917 حتى اليوم، لا يوجد ما هو أكثر رعباً من وضعي الحالي.
والرعب ليس كلمة يا "ليتشيكا" بل حالة، يمكنني أن أصف بها كل أحزان البشر وأكسوها دماً ولحماً. سأتحمّل عقابي هذا الذي أستحقه، لكن لا أريد أن يتكرّر ذلك الخطأ الذي بدر منّي في 28 كانون الأول/ ديسمبر، ففي ما يتعلّق بك حتى 28 شباط، هو غير موجود لا في الكلمات أو الأفكار أو الأفعال.

لن يكون هناك أيّ شيء، لا شيء من الماضي، أؤكّد لك، وهذا ما أضمنه، على أيّ حال إن لم أتمكّن من القيام بذلك فلن أراك مطلقاً، وإن كنت إلى جانبك وحدث ما كنت قد رأيته مني في السابق فسأهرب، يسعدني أن أتحدّث عن ذلك الآن، وأنا أعيش لمدة شهرين على أمل اللقاء بك في 28 شباط عند الساعة الثالثة، وأنا لست متأكداً حتى إن كنت ستسمحين بذلك، لأن كلمتك الأخيرة كانت "سنرى!".
قراري الأخير هو ألّا أسمح لنفسي أن أفسد حياتك ولو بنسمة، وهذا هو المهم، فإن كان شهر أو يوم واحدة من دوني بالنسبة إليك أفضل، فليكن ذلك.
هذه هي رغبتي، وأملي، أما إن كنت أقوى على ذلك أم لا، فأنا لا أعلم، فإن خذلتني قوّتي قليلاً ساعديني، وإن غدوت خرقة بالية امسحي بي سلّمك، فالماضي قد دفن.
أتحبينني؟ قد يبدو لك هذا السؤال غريباً، فبالطبع تحبينني، لكن هل تحبينني إلى درجة تشعرين بي فيها طوال الوقت؟ ليس لديك حبّ لي تحديداً، بل لديك حبّ لكلّ شيء، وأنا احتللت حيّزاً منه، ربما أكثر، وإذا ما خرجت من ذلك الحيّز سينتهي بي الأمر كحصاة يلفظها نهر، وحبك يطفو فوق كل شيء آخر، إنه أمر سيّئ، أليس كذلك؟
وددت لو أتمكّن من الحبّ مثلك، لكن لو اختلف الأمر لما كنت لأفهم الكثير من تصرفاتك، أنت تحبينني، فكيف يمكن أن أفهم اشمئزازك منّي يا حبيبتي؟ أو إن قلت فجأة: اليوم لا أحبك إن لم تكن هكذا فلست بحاجة إليك، فلتشعر بالسوء، فليكن – لقد اعتدت على ذلك الشعور... العائلات ليست مثالية، كل العائلات تتمزّق، ولا يوجد حب مثالي، ولا يمكن تأسيس الحب على قاعدة "يجب" أو "مستحيل". أنا لا أريد لهذه الـ "يجب" أن تأتي.
أحب إلى ما لا نهاية ألا تأتي هذه الـ "يجب"، أحبّ أن أتمشّى تحت ستائر نوافذك، أن أنتظر أن ترتطم نظرتي بوميض شعرك الذي يطلّ عليّ عبر زجاج سيارة آتية.
الانتحار
لانتحار
بعد فشله في الحياة العاطفية، وبعد النقد اللاذع الذي واجهه في الصحافة الأدبية، حوصر الشاعر من كل الجهات، فحاول الرحيل إلى باريس، حيث تقيم حبيبته تانيا ياكلوفلوفا، فمنعوه من الخروج بكل الطرق، وعندما عرفت (تانيا) بذلك، تزوّجت من الفيسكونت دوبليه، ما زاد ذلك عذابه وآلامه، عدم السماح له بالسفر أولاً، وثانياً فقدان الحبيبة، وذلك، سرّع في يأسه وإحباطه، وأحكموا الطوق حوله، وشددّوا الرقابة أكثر، وأحسّ أنّه محاصر من كل الجهات، فلم يبق أمامه أيّ مخرج، كما قال في رسالته الأخيرة التي كانت بمثابة وصية، وأنهى حياته بيده في 14 نيسان 1930 عن عمر 37 عاماً، برصاصة في الصدغ، تاركاً ورقة كتب عليها (إلى الجميع ها أنا ذا أموت الآن، لا تتهموا أحداً، ولا تثرثروا، فالميّت يكره الثرثرة):

إلى الجميع

لا تتهموا أحداً في موتي، وأرجو ألّا تنمّوا، فالراحل لم يكن يطيق ذلك.

ماما، أخواتي ورفاقي، سامحوني – هذه ليست الطريقة الصحيحة (ولا أنصح غيري بها)، ولكن لم يبق باليد حيلة.

ليليا – أحبيني.

أيها الرفيق–الحكومة: عائلتي هي ليليا بريك، ماما، أخواتي وڤيرونيكا فيلتودوفنا بولونسكايا.

إذا دبّرت لهم حياة مقبولة – فشكراً.

أعطوا هذه القصيدة التي ابتدأتُها إلى آل بريك، وهم سيفهمون.

وقارب الحب تحطّم على صخرة الحياة.

لقد تحاسبت مع الدنيا

ولا فائدة من تعداد

الآلام المتبادلة

المصائب

والإهانات.


طباعة