من أعلام اللغة العربية.. سعيد الأفغاني.. ورحلة عطاء لا ينضب

الثورة أون لاين- رشا سلوم:

سعيد الأفغاني واحد من أفذاذ علماء العربية في القرن العشرين، وقف حياته عليها تعلّماً وتعليماً، وتأليفاً وتحقيقاً لنصوصها العتاق الأُوَل، وتخرّجت به أجيال ما زالت تذكر فضله وعلمه وغيرته على هذا اللسان العربي المبين.
وفي هذا الكتيّب إطلالة على محطّات حياة هذا الرجل العالم الذي سحرته العربية وغلبته على أمره، وبعض مما قيل فيه وروي عنه، ونماذج مما خطّه قلمه.
ولد الأستاذ سعيد الأفغاني بدمشق سنة ـ/ 1909م لوالد صالح لا يُتقن العربية، جاء من كشمير وسكَنَ دمشق، وتزوَّج بها من أسرة دمشقية، ورُزِق بمحمد سعيد، ثم رُزق بعد سنتين بابنة، تُوفِّيت أمهما بعد ولادتها وعُمْر محمد سعيد ثلاث سنوات، فوقف والده حياته لولديه مربِّياً، وهكذا عاش ابنه يتيمَ الأم، وأكبَّ الوالد الشفوق على ولده يصطحبه معه إلى المسجد الأموي بين المغرب والعشاء.
تعلَّم الأستاذ محمد سعيد في مدارس دمشق، ولازم حلقات علمائها، وتردَّد على مجالس القرَّاء وأهل الأدب، ولازم دروس الشيخ حسين التونسي، ودروس الشيخ أحمد النويلاتي وتأثَّر به، وبمنهجه الإصلاحي فقرَأَ عليه علوم العربية والتفسير، وأفاد منه فائدة لا تُقدر
• • • •
بدأ دراستَه الابتدائية في مدرسة الإسعاف الخيري، ويذكر عن هذه المرحلة الدراسية أن المدير وبعض المدرسين يلتزمون الفصحى دأباً في حوارهم معنا، وفي إلقاء الدروس، وحين يُقرأ التفقُّد، كان المقروء اسمه يُجيب بـ "لبيك" بدلاً من كلمة "أفندم" التي اعتادها الطلبة زمن الاحتلال التركي.
ثم دخل مدرسة التطبيقات، حيث أتمَّ الدراسة الابتدائية، ثم تابع دراسته الإعدادية والثانوية في مكتب عنبر "التجهيز" ودار المعلمين، وقال عن هذه المرحلة: "إنه وجد في المدرسة ثلاثة من أعلام اللغة: الشيخ عبدالرحمن سلام، والشيخ محمد سليم الجندي، والشيخ محمد الداودي، ثم أضيف إليهم الأستاذ محمد البزم"، وكان تخرجه في مكتب عنبر سنة 1928م.
ويقول عن هذه المرحلة: "ممَّا أشكر الله عليه أعظم الشكر أني نشأت أول ما وعيت عقب الحرب العالمية الأولى في جوٍّ لا يشغله إلا عربية وحماسة لها وإيمان بها، وهمم تتصارع في البناء لها تسابق الزمن...".
• • • •
ثم التحق بمدرسة الآداب العليا في الجامعة السورية، وكان مديرها الأستاذ الشاعر شفيق جبري، ومن أساتذتها الأستاذ سليم الجندي، والشيخ عبدالقادر المبارك، والشيخ عبدالقادر المغربي، والأستاذ علي الجزائري، وتخرَّج بها سنة 1932م.
وكان في شهر تشرين الأول من عام 1928م قد عيَّنه وزير المعارف محمد كرد علي معلِّماً في بلدة منين في ريف دمشق في مدرستها الابتدائية، ثم تنقَّل بين عدة مدارس في دمشق حتى استقرَّ مُدرِّساً في مدرسة التجهيز الأولى بدمشق "ثانوية جودة الهاشمي".
• • •
ولما أنشئت كلية الآداب بالجامعة السورية عُيِّن فيها أستاذاً مساعداً، ثم أُرسل في تشرين الثاني عام 1946م إلى القاهرة للتحضير لدرجة الدكتوراة موفَداً من وزارة المعارف، وسجل موضوع: "أدب الشام السياسي في العصر الأموي"، ولكنه لم يتابع العمل فيه، وعاد إلى دمشق منقطعاً لتدريس اللغة العربية في كلية الآداب، وتدرَّج في وظائفها حتى أصبح عميداً لكلية الآداب من عام 1961-1963م، ثم عاد رئيساً لقسم اللغة العربية ومدرِّس النحو وعلومه حتى أُحيل على التقاعد بتاريخ 31/12/1968م، ولم ينتظر خصومُه نهاية العام الدراسي كما هو العُرف الجامعي.
• • • •
ثم دعته الجامعة اللبنانية أستاذاً محاضراً سنة 1968-1971م فاستجاب لدعوتها، ووضع لطلابها كتباً في قواعد اللغة العربية، ثم تعاقدت معه الجامعة الليبية في بنغازي حيث بقي عدة سنوات أستاذاً ورئيساً لقسم اللغة العربية 1972-1977م، وأخيراً كانت آخر أعماله التدريسية في جامعة الملك سعود بالرياض سنة 1984م؛ حيث بقي يدرِّس حتى بلغ الخامسة والسبعين، فعاد إلى دمشق.
• • • •
وكان في سنة 1960م انتخبَه المجمع العلميُّ العراقيُّ عضواً مراسلاً، ثم قُرر - فيما بعد - انتخابه عضواً مؤازراً، وانتُخب في عام 1970م عضواً مراسلاً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وكان ملازماً لحضور ندوات المجمع ومؤتمراته السنوية، ونشر كثيراً من البحوث والمقالات في مجلته، ثم انتُخب عام 1990م عضواً عاملاً في مجمع القاهرة، خلفاً للدكتور حسني سبح رئيس مجمع دمشق الذي تُوفي سنة 31/12/1986م.
• • • •
ثم إنه بعد عودته إلى دمشق ظهرت عليه آثار الشيخوخة، ولا سيما بعد فقد زوجته: السيدة بشيرة بنت السيد صلاح الدين الخطيب، التي توفيت سنة 1994م، كما توفي سعيد الافغاني عام ١٩٩٧م ..
بقي أن نشير إلى أن الكتاب صدر عن الهيئة العامة السورية للكتاب بدمشق.


طباعة