المختار من تراث الجاحظ ... وأبي حيّان التّوحيدي


الثورة أون لاين - هناء دويري:

"ابحث في الانترنت عن موضوع كذا..، أو ابحث في السيرة الذاتية للكاتب أو الأديب الفلاني، وغيرها من التساؤلات التي يتم طرحها في مناهجنا التربوية اليوم .." ؟؟!!
هذه التساؤلات المطروحة في المناهج الهدف منها تشجيع الناشئة على استخدام الأجهزة التقانية بالشكل الأمثل، وهذا ما أكده الدكتور محمود السيّد في مقدمة كتابه الموجّه للناشئة ضمن سلسلة ثمرات العقول التي تصدرها الهيئة العامة السورية للكتاب "المختار من تراث الجاحظ وأبي حيّان التّوحيدي"
المحتوى على الشابكة بكلّ أسف يحتاج إلى تدقيق مستمر وبحث وتمحيص دائم حول صحة المعلومات المقدمة من عدمها، وبالتالي لن يكون كافياً توجيه الناشئة للبحث في الانترنت، وإنما يجب حثّهم للبحث في أمهات الكتب، لأنه الأكثر جدوى ونفعاً وفائدة ودقة، من هنا يقوم الدكتور السيد باختيار كل من الجاحظ والتوحيدي لتعريف الناشئة بآثارهما وتشجيعهم على خوض غمار المعرفة من أمهات الكتب التراثية والمعاصرة تعزيزاً للأصالة والمعاصرة انطلاقاً من مقولة "ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه"
قسّم الدكتور محمود السيد الكتاب إلى أربع حلقات ووضع لكل حلقة تبويباً لعناوين معرفية بكتب الجاحظ والتوحيدي وشرحهما، ولم يغفل عن الأمثلة الواردة هنا وهناك وبطريقة جزلة بسيطة سهلة على عقل المتلقي من الناشئة.
لا يتجاوز الشرح لكل كتاب العشرين صفحة من القطع المتوسط حتى لا يصيب القارئ من تلك الفئات العمرية بالملل الذي هو سمة من سماته السيكولوجية.
ألّف الجاحظ كتباً كثيرة في مختلف ميادين المعرفة، وكان شغوفاً بالكتب، لم يقع كتاب في يده إلا استوفى قراءته، كما كان يكتري دكاكين الورّاقين ويبيت فيها للنظر.
من كتب الجاحظ التي يُعرّف السيّد بها الناشئة كتاب الحيوان وكتاب البيان والتبيين وكتاب البخلاء، وكتاب التربيع والتدوير، كما يعرض لبعض رسائل الجاحظ
كتاب الحيوان للجاحظ يقع في سبعة أجزاء، ويوهم اسمه أنه خصّص بالحيوان، لكن محتوى الكتاب يجسّد صورة واضحة لثقافة العصر العباسي والكثير من المعارف الطبيعية والمسائل الفلسفية وسياسة الأقوام والأفراد، وتكلم في نزاع أهل الكلام وسائر الطوائف الدينية، وتحدث في المسائل الجغرافية وخصائص كثير من البلدان وفي تأثير البيئة في الحيوان والإنسان والشجر، وفي قضايا التاريخ، وعن الطب والأمراض والعرب والأعراب وعاداتهم وعلومهم، كما جمع الجاحظ الصفوة المختارة من حرّ الشعر العربي ونادره، وأمثالاً ومجموعة من الأحاديث في البيان ونقد الكلام والشعر والقرآن الكريم والحديث وغيرهما.
"كتاب البيان والتبيين " يُعدّ هذا الكتاب من أمهات الكتب في تراثنا العربي، يشتمل على اللغة والأدب والأخبار والنوادر والنقد والتربية والتاريخ، تجد فيه أبي عثمان عمرو بن الجاحظ المتوفى بالبصرة في المحرم سنة ٢٥٥ هجرية عالماً لغوياً ألسنياً وفي أبواب أخرى معلماً في التربية والنقد وأصولهما واتجاهاتهما، فعلى سبيل المثال يذكر لنا المقررات التي كانت ثمة إلحاح على اكتسابها إذ يقول: قال أبو الحسن، قال الحجاج لمعلّم ولده "علّم ولدي السباحة قبل الكتابة، فإنهم يصيبون من يكتب عنهم ولا يصيبون من يسبح عنهم " وكان ابن التوءم يقول: "من تمام ما يجب على الآباء من حفظ الأبناء أن يعلمه الكتابة والحساب والسباحة "
أما في كتاب "البخلاء "يروي لنا قصص البخلاء بشخوص من بيئته ويعالج نفسياتهم وميولهم وأهواءهم بأسلوب ممتع في التلوين الصوتي والعقلي والرصانة والروعة، ويعرض لواقع مجتمعي أصبح فيه الناس يتكالبون على المال ويتوسلون إليه بشتى الوسائل ونشوء طبقات غنية وفقيرة بوصف حسّي ونفسي دقيقين وبلاغة في التعبير وقوة التأثير، بروح السخرية فهو ينقد ويُضحك، سخرية الجاحظ هي سخرية الذهن الدقيق والذوق الرفيع المهذب والفن الخالص المتمكن.
"كتاب التربيع والتدوير " في هذه الرسالة استطاع الجاحظ أن يجمع بين المتناقضات والأضداد بأسلوب منطقي ساخر ما يكشف عن الثقافة الموسوعية التي كان يتحلى بها، وثمة مبادئ أخلاقية وتربوية في الكتاب، ونرى ذلك في دعوته إلى العلم الخالص عن رغبة إذ يقول: وأن تعلم أن العلم لا يجود بمكنونه ولا يسمع بسرّه ومخزونه إلّا لمن رغب فيه لكرم عنصره، وفضّله لحقيقة جوهره، ورفعه عن التكسب، وصانه عن التبذل، وأنه لا يعطيك خالص الحكمة حتى تعطيه خالص المحبة...الخ.
ورسائل الجاحظ في جزأين قام بتحقيقها وشرحها الأستاذ عبد السلام محمد هارون، يعرض الكتاب لأجزائها ومضمونها.
كما يعرّف الدكتور محمود السيد في كتابه بأبي حيّان علي بن محمد بن العباس التّوحيديّ المولود سنة ٣١٠ للهجرة على الأرجح في مكان مجهول في العراق أو فارس، ألّف ستة وعشرين أثراً ويعد كتابه "البصائر والذخائر "بأجزائه العشرة من أمهات الكتب في تراثنا العربي، استقى مادة الكتاب من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وينسب الأقوال لأصحابها متأثراً بالجاحظ في أسلوبه الواقعي
وكتاب "الإشارات الإلهية " أحسّ فيه التوحيدي أنه غريب في كلّ شيء، وغريب في وطنه غريب عن أحبابه، غريب عن كلّ ما في الوجود من أشياء وأحياء، فكان موضوع الغريب الذي تضمنه الكتاب من أبلغ ما سطره قلمه وفيه ملامح وجوديّة إذ يقول: " هذا غريب لم يتزحزح عن مسقط رأسه، ولم يتزعزع عن مهبّ أنفاسه، وأغرب الغرباء من صار غريباً في وطنه، وأبعد البعداء من كان بعيداً في محل قُربه، لأن غاية المجهود أن يسلو عن الموجود، ويغمض عن المشهود، ويُفضي عن المعهود ليجد من يُغنيه عن هذا كله بعطاء ممدود، ورِفد مرفود، وركن موطود، وحدّ غير محدود ".
كتاب "الهوامل والشوامل " للتّوحيدي يدلّ على نوع المشكلات التي كانت تشغل بال المفكرين في القرن الرابع الهجري في العراق، ويصوّر الحالة الاجتماعية التي كان يحياها الناس
وفي كتاب "الإمتاع والمؤانسة " بأجزائه الثلاثة يدوّن كل ما دار بينه وبين الوزير أبي عبد الله العارض فيتّخذ الكلام شكل حوار حيناً، أو رسالة يتلوها على مسمع الوزير حيناً آخر، أو مسائل أشكلت على الوزير في الفلسفة والاجتماع فيعرضها على أبي حيان ويطلب منه الجواب، وقسّم الكتاب إلى ليال يشبه كتاب ألف ليلة وليلة ولكن ليالي أبي حيان ليست للهو والطرب وكيد النساء والغرام وإنما هي ليال للفلاسفة والمفكرين والأدباء...الخ
الكاتب في سطور...
الدكتور محمود السيد أستاذ جامعي ووزير سابق للتربية والثقافة، ونائب رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق، وعضو مجلس إدارة المجلس الدولي للغة العربية، ورئيس تحرير مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، له مؤلفات كثيرة في التربية والثقافة واللغة، وبحوث في المجالات المتخصصة، حائز على جائزة الدولة التقديرية في مجال البحوث والدراسات، والجائزة التقديرية للتربية من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.


طباعة