ما بين الحب والفلسفة تتجلى الحكمة

الثورة أون لاين - لما كربجها:

تستهويني الكتابات الفلسفية القريبة من النفس البشرية والمعايشة لواقع حياة ووجود إنساننا العربي عبر ما يعيشه من أزمات مختلفة، وقد أعجبت بفلسفتين متناقضتين عبر قراءتين مختلفتين، فلسفة نيتشه فيلسوف القوة والتحدي عبر كتاب هكذا تكلم زرادشت، وبين فلسفة الحب البريء الصافي السريرة العفوي التعامل مع من حوله عبر كتاب الأمير الصغير للفرنسي انطوان دي سانت اكزوبري.
مع ذلك لم أجد ضالتي في كلتا الفلسفتين، وبما أنني أرى في الكلمة رسالة تسعى لتحقيق السلام الداخلي للنفس البشرية ودفعها للمساهمة في بناء العالم المنشود، استمريت برحلة البحث عن الفلسفة المطلوبة.
((صوب عينيه نحو أحلام الناس، رآهم يستعطون الأمان، ورأى الأمان درة ليس هذا موقعها.))ص٢٠
يحقق النص الإبداعي نجاحه حينما يكشف لنا نصاً آخر خلف حضور الكلمات ودلالات المعاني عندما ترسمها فلسفة تبحث عن الحب على أساس متين من الحكمة، فتحملنا الدهشة إلى عالم باذخ من التأويلات والتأمل.
((دمشق أم لا تموت)) مجموعة قصصية للأديب المفكر الأستاذ سامي طه، وهي مجموعة يمكن تقديمها عبر ثلاثة محاور، تداخلت فيما بينها وكأنها محور واحد، محوران واضحان قسما المجموعة لقسمين، أحدهما يتحدث عن أزمة الوطن بمختلف صورها وحالاتها (دمشق أم لا تموت، منمنمات من جراح وطن، نجوم الضهر، وطن، غصن خبز، الخفافيش)، عبر تجلي حب الكاتب الكبير لوطنه وأبناء وطنه دون استثناء، وليمنحنا ابتسامة تتركنا في نهاية بعض قصصه ونحن مثقلين بحزن يغدو قشعريرة مؤلمة.
ومحور ثان يتعمق بجرأة مدهشة في كثير من قضايا المجتمع والإنسان (مكنسة وأشياء أخرى، المارد والسيد، شراكة، الهاوية، صيد العقارب، ثم هوى، مذكرات بطل بالعدوى، مكان لعصفور وكاتب، وجهان للرحيل)، أما المحور الثالث المتخفي خلف المعاني والمتسلل خلف الأفكار والكلمات، هو محور فلسفي يعبر عن نظرة الكاتب للحياة، برمزية وتناص في بعض المواضع، وبأسلوب فيه شيء من السخرية والتهكم في مواضع أخرى.
سأنطلق بقراءتي من خلال المحور الثالث بما أنه روح المجموعة وفلسفة الكاتب التي عمل على إيصالها للقارئ ودفعه للتفاعل معها عبر رسالة الحب القائمة على منطق العقل الحكيم، من خلال اختياري لثلاث قصص من قصص المحور الثاني(شراكة، صيد العقارب، ثم هوى)، وتسجيل انطباعي عنها.
تتمثل قصة شراكة فلسفة الأمير الصغير القائمة على الحب المطلق للجميع من خلال بطل القصة الذي يجعل بيته موئلاً تشاركه فيه مختلف أنواع الكائنات الحية المؤذية والمسالمة ويعمل على إقناع أفراد عائلته بذلك. (جلس ولداه وزوجته إلى جواره ينصتون إلى درس جديد من دروسه التي يقول فيها: ((سنرى الخير يسود العالم إن أردنا ذلك))، وكأنما أراد القدر أن يزين أقواله بقرائن، فقد اجتازت (سحليةصغيرة) عتبة باب الغرفة حيث يجلسون، فانبرى يصور قدسية الشراكة بين الإنسان والكائنات الحية الأخرى التي ستغدو يوماً مسالمة ودودة.)ص٥٧
تنتهي القصة بالبطل على سرير في غرفة العناية المشددة بعد أن حاول سلبه حياته شركاءه في بيته. (تمدد في مكان جلوسه وأغفى ولم يشعر بزيارة قام بها عقرب إلى جسده قدم له هدية متواضعة، ولأنه استمر في إغفاءته فقد تقدمت إليه (أم أربع وأربعين) وساهمت في مباركة الشراكة التي يفخر بأنه سندها الأول... في المشفى ولداه وزوجته إلى جواره صامتين، وليس ثمة ما ينبئ أن حدوث درس جديد يقول فيها: ((سنرى الخير يسود العالم)) ستلغي سكون جلستهم الحزينة.)ص٥٩
من خلال ما سبق أكدت لي قصة شراكة أن فلسفة الأمير الصغير لا تناسب واقعنا المعاش، وحال بطلها حال الأمير الصغير الذي غادر عالم الكبار بعد أن استعصى عليه فهمهم ولم يستطع أن ينقلهم إلى عالم أفكاره الطيبة البريئة.
أما من خلال قصة ((صيد العقارب)) فإن فلسفة القوة والتحدي والعقاب لدى نيتشه تجلت عبر أحداثها من خلال مجموعة من الأطفال اتخذوا من صيد العقارب مهمة ومتعة وانتقاماً لصديق لهم أفرغ عقرب سمه في جسده وجعل بذلك من كل مسيء في نظرهم عقرباً يجب القضاء عليه. (أصبح للعقرب شأن كبير في حياتنا، ولعل أسوأ لقب نطلقه على شيء (هو عقرب) وتطور الأمر إذ تعاهدنا وقررنا القضاء على كل عقرب نصادفه. ولأن (كرمو) عقرب فإنه في دائرة اهتمامنا. كرمو هو مفتاح كل شر في قريتنا الوادعة..)ص٦٦
لذلك وعبر هذه القناعة تم اصطياد كرمو والقضاء عليه من خلال استخدام العقارب التي نشروها على جسده أثناء نومه.
إلا أن هذا الأمر لم يحقق المتعة المرجوة منه، وبذلك أيضاً يتجلى فشل فلسفة نيتشه على أرض الواقع، وهو فشل عبر عنه عدم القدرة في الاستمرار من خلال هذه الفلسفة. (ولم تمض تلك الليلة إلا وخبر كرمو يسري في أوصال القرية وسط مشاعر الدهشة والارتياح، غير أن شيئاً من الخوف سرى في أوصالنا للمرة الأولى منذ اتخذنا صيد العقارب متعة.. اليوم، وبعد انقضاء سنين أخرى، ومع أننا نلتقي بين حين وآخر، إلا أن صفحة من النسيان -أو التناسي- طوت قرارنا رغم جحافل من العقارب قارب نصادفها كل يوم، ورغم حقدنا الذي يتعاظم على عالم الأذى والعقارب)ص٦٧

قصة (ثم هوى) حديث وعتاب وتأمل بين ومع النفس الإنسانية، تحكي مسيرة حياة برؤية رمزية وصراع أعلن ومنذ البداية انتصار حكمة الكلمة الطيبة والروح الأصيلة. (تسامى في منبت أرض الأرواح الطيبة، أنبته طوداً، فحمل في جعبته روحاً من انعتاق، وطاف بها إلى فضاء قصتي، وهناك في علٍ، ومع صراع أرواح متوثبة وتناحر قمم، توالت انهزامات الروح الغضة التي في جعبته، فتهاوت، وهو...)ص٦٩
عبر هذه القصة استخدم الكاتب تقنية التناص مع آيات قرآنية برمزية مختلفة متجددة الهدف والغاية، موضحاً عمق حالة تأمل خلقتها دهشة تتلون بشيء من سخرية هي أقرب للكوميديا السوداء.(قالت له أنثى الأسرار: هيت لك! فتعرى ووثب... ولم تكن هناك حاجة لحكمة تجتلي من أين قدت قميصه..
قلتُ له: هل أتبعك على أن تعلمني؟ فابتسم وقال: لعلك لن تستطيع معي صبراً.
وتبعته وكانت كلمة لا ثالث لها: كيف ترى في تلون الحرباء فضيلة؟ فقال: هذا فراق بيني وبينك.
حملت أمتعتي وجلست عند مفرق درب أترقب عودته، وأدرك يقيناً أنه سيسلكه ذات هزيمة كسيراً.)ص٧٠-٧١
أيضاً وبطريقة المقاطع المنفصلة المتصلة، وبرموز كثيرة لها دلالاتها التي تجلت عبر سياق الكلام: (أرض الأرواح الطيبة، الزمن الغابر، أرض سفلى، حقول الياسمين، عصفورين حبيسين..)، أعلن الكاتب فلسفته، بل انتصار فلسفته في الحياة، فعندنا تعب المشوار وأراد الجانب الأضعف في الصراع الراحة والسلام النفسي رنا بروحه نحو ضيعته حيث وطنه وأمه الأرض: (شبك يديه خلف ظهره، رنا صوب ضيعته التي أنبتته طوداً. سار باتجاهها متثاقلاً، غير أن يديه فرتا كعصفورين حبيسين باغتهما تهشم باب القفص، ورجليه أيضاً أرادتا اللحاق بالعصفورين المحلقين، إلا أن التعب المضني عاد بهما إلى قفص المسار
التعب.. المسار.. خطوة.. خطوة.. خطوة
ثم هوى.)ص٧٢
هذا الانتصار يعود بي إلى المحور الأول في المجموعة، محور أزمة الوطن، وقد اخترت قصة عنوان المجموعة ((دمشق أم لا تموت)) لأنني وجدت فيها الضالة والرسالة والهدف.
(تمددت أصابع النار على جسد الورقة المنغمسة بعرق أفكاره..)ص٩
بهذه الصورة القوية الحضور والعميقة المدى بدأ الكاتب قصته، وليحملنا بعدها مباشرة إلى عالم البطل، وهو كاتب تائه بين أفكاره المتأرجحة ما بين البقاء أو السفر بعيداً عن وطنه المنهك بالموت والحروب والأزمات المختلفة، عبر استرجاعه لأحداث وأحاديث عديدة دارت بينه وبين أبيه وأمه وزوجته وابنه، أحاديث خلقت صراعاً فلسفياً هادئاً مع الذات، رغم ما تحمله من ألم عميق، وضحت رغبة البطل ومنذ الحروف الأولى للقصة في إيجاد حجة تبعد عنه قرار السفر وتلغيه.
يقول بطل القصة لوالده: (عندما تحن للفرح، عندما تحيق بك أسئلة هذا الزمن المغبر، در إلى الوراء، يبدو أنه ليس ثمة ما يسرنا في قابل الأيام، ولكن قل لي: لماذا علينا ألا نرى في هذا العالم إلا الفرح؟).ص٩-١٠
يجيبه الأب: (إنه الزمن الرمادي يا بني، تشابك الحزن والفرح، تمازج الألم والأمل فضاعت المنارات إلى الغد..).
أما أم البطل فقد كانت تقول له دائماً:(تبدلات الزمن ثمرات أفعالنا، إن جار الزمن التفتوا إلى أنفسكم فمن حناياها خيركم وشركم!.. الزمن كقطعة المعجون التي كنت تلهو بها صغيراً.).ص١٠
أبيض وأسود، زمن رمادي، والد بطل القصة المثقل بأوجاع الزمن، ابنه الذي يرسم للغد لوحة أمل، زوجته الشامخة، صور ودلالات هيمنت على القصة لترسم واقع حال وصراع انتهى بانتصار حب الوطن، فالوطن أم والأم لا تموت.
من قرأ سامي طه كأديب وإنسان له فلسفته التي تجلت بوضوح عبر كلماته يدرك رسالته القائمة على المحبة والعودة بهذه المحبة إلى الأصالة، أصالة الزمن الجميل، وإلى ما ربانا عليه أباؤنا، وما تركه فينا أجدادنا من قيم وتسامح، وهي أمور لا تموت كحضور الأم والأب في الروح، وهو حضور لمحبة خالصة تمنحنا الحياة والفرح الأعظم.


طباعة