" صيف البلابل " إرادة الحياة

-07M.jpg

ثورة اون لاين - رنا بدري سلوم:
لابد وأنت تقرأ الرواية التي كتبت في زمن الكورونا "صيف البلابل" للأديب طراد حمادة إصدار دار أرواد للطباعة والنشر أن تُترف بالثروة المعرفية والأدبية للراوي، مقدماً لنا رواية بقالب سردي، حبّكتها هي الذاكرة المفقودة والحاضرة للبطل "حيان إسماعيل" الذي هرب من مدينته خوفاً من وباء كورونا المنتشر فيها، فيفقد ذاكرته ويعيش شخصيات ثلاثة " ثابت بن مرّه وعمار الآدمي" صاحب حقلة الورد في المدينة الافتراضية التي تدور الرواية حول اعمارها، في النهاية تعود ذاكرة حيّان ويتزوج روز البستاني الفتاة المثقفة أستاذة الأدب والفنون التي يلتقي بها البطل في المدينة الحالمة التي ينشداها والتي تسمى بلديتها باسم "روزستان" .
نسج الراوي شخصيات محورية ليزيد دائرة ذاكرتنا اتساعاً فيعود بنا إلى 1962 ويستشهد عما قرأه عن الهنود الحمر،الذين مات بعضهم من الوباء والأمراض أكثر ممن مات من السهام والرصاص، ماتوا من عدوى الخيل والحيوانات الأخرى، وماتوا من الجدري والتيفوئيد، كان الأمريكيون يزرعون الجراثيم ما بينهم فكانت الحرب مع الهنود الحمر على ما يذكر التاريخ حرباً جرثومية ماتوا موتاً سريعاً حمى وآلام وإرهاق ونوم أليم ثم نوم هادئ في الأبدية.
تدور فكرة الرواية الواقعية " صيف البلابل" حول إقامة مدينة فاضلة افتراضية، خالية من وباء كورونا لتكون بيضاء نظيفة، "فالحزب الأخضر" يقوم بإنشاء مدينة مستدامة يستقبل فيها الأصحاء الذين يبحثون عن مكان آمن يقيهم شر عدوى الفيروس،ويجدون فيها متسعا للعمل والحياة في وسط الطبيعة، الأمر الذي يسهل عليهم تمضية الزمن الصعب في العزلة الاختيارية الواقعية من عدوى الكورونا.
اعتمد الراوي طراد حمادة في روايته وتسلسل أحداثها على عنصر الإقناع مستذكراً الثورات المعرفية التي مر بها الإنسان وفلسفة البيئة بعدما كانت الفلسفة مقتصرة في الوجود، ذاكراً كتاب الربيع الصامت لفيلسوف البيئة راشل كارسون، عام 1962 الذي كان محفزا للحركة السياسية البيئية مؤكدا أن الاستخدام الواسع لمبيد ddt قتل ملايين العصافير المحبوبة لدى الناس بإضعاف بيوضها واستحث كارسون مواطنيها الأمريكيين للتفحص النقدي لمعاييرهم المسلم بها باتجاه الطبيعة الحية وأن حديثها التحذيري لم يبرهن فحسب على أن العصافير كانت تموت بسبب الممارسات البشرية غير الحصينة بل تضمن أيضا الدور الذي قد يأتي على الناس!.
فمن خلال الرواية نقرأ الصراعات العالمية التي وصلت إلى مرحلة لم تعد معها الحرب بين الدول مبررة وتعدد أسباب تراجعها، فرقعة العالم أصبحت أضيق من حركة الصواريخ المدمرة كل مكان في العالم في متناول صواريخ الدمار، تعددت أسلحة الدمار الشامل التقليدية، الكيماوية الذرية وظلت الحرب الجرثومية بعيدة عن الأنظار تطبخ على مهل في أفران المختبرات وتحاط بجدران من السرية المطلقة بحسب ما ذكر الراوي وما استند إليه من أحداث تاريخية وثقها إعلامياً، مشيراً في الرواية إلى بعض البرامج التلفزيونيةّ التي أظهرت التنوّع في الأفكار والآراء السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة المتضاربة إن صح القول لاسيما في فترة جائحة كورونا ومنها ما وصفه ترامب بالوباء الصيني!.
في نهاية الرواية التي ترتكز على عنصري التشويق والإثارة في تسارع وتيرة الأحداث، وفي تفاؤل من الراوي يشيخ الكورونا ويهرم ويرحل بعد أن يحصد ضحاياه، وتنتهي مأساة تلك الجائحة إلى ما آلت إليه " اعتاد عليها القطيع وقاومها اللقاح لكن المدن وحدها تحفظ أسماء الأيام ذاكرة المكان قوية كذاكرة الجسد، وحده الإنسان ينسى ولذلك سمي إنساناً، فيربح حزب الأخضر الانتخابات ويحكم البلاد يشبه انقلاب العالم إلى نظام جديد من الربيع الصامت إلى صيف البلابل" .

ولا يمكن إلا ونتطرق للخيال الذي يقودنا لقراءة الرواية بمتعة دون ملل وكأننا نسير في دربٍ من فصول السنة كل على حدا حتى ينتهي بنا المطاف إلى نسائم صيفية عليلة بلغة بسيطة مؤثرة بعيدة عن الحشو مفعمة بمعلومات تاريخية علمية تضيف للقارئ الكثير، ولا ننسى حس الراوي الذي ظهر جليا في النصوص النثرية فجمّلت الرواية، ينهي البطل حيان مخاطبا روز بالقول:

تعالي إليَّ
نحتفي بعرسنا في هذا الصيف المقدّس صيف البلابل.


طباعة