لماذا بقيت أماكن العباقرة في موسيقانا العربية شاغرة؟

-035M.jpg

الثورة أون لاين - علي الأحمد :

هؤلاء العباقرة "شعراً ولحناً وصوتاً وهم كثر في موسيقانا العربية، كانوا، قبل كل شيء ، يمتلكون إضافة الى روح الانتماء الى هويتهم الموسيقية العربية، روح التمرد والثورة، على كل مايشوه أو ينتقص من مكانة هذه الهوية الثقافية الجامعة. خاصة في فترة الانبعاث الحضاري إبان المد القومي العربي، والتخلص من الاستعمار بأشكاله وأقنعته العديدة، وهو مافرض على هؤلاء الكبار الرواد، من حمل السلاح وخوض المعركة الثقافية الى النهاية، وكان قائدهم في ذلك المسير، شيخ معمم ... نعم شيخ معمم اسمه "سيد درويش" أسس لمرحلة نهضوية كبيرة ومهمة في تاريخ الموسيقى العربية، حين أدخل الحداثة والتجديد المعرفي، الى هذا الفن الذي كان يأبى ويحارب هذه الحداثة بسبب "الرجعية الموسيقية " المحافظة، إحدى ترسبات حقبة الاحتلال العثماني بمالها وعليها. 

ولعل العودة الى هذا الماضي القريب، تعطينا فكرة واضحة، عن مدى العمق والالتزام الذي أحاط برسالة هؤلاء العباقرة الكبار، الذين يستحقون هذا الاسم عن جدارة وتميز ، كما ينبئ عنهم نتاجهم الإبداعي الأصيل، الذي وسم مرحلة مفصلية من مراحل قيام النهضة الموسيقية وعصرها الذهبي الثاني، بالتجديد والابتكار وتقديم موسيقى عربية حداثية لكنها أصيلة بآن واحد، ولعل الظروف والمتغيرات والبيئة الثقافية المتنورة، قد لعبت دورها المهم والعميق في تكريس وتجذير هذه النهضة الموسيقية الباذخة الجمال، حيث تداعى شعراء وملحنين وأصوات غنائية كبيرة، الى تحميل فنهم الراقي، بمضامين جمالية راقية تعكس الدور الرسالي العظيم، الذي من المفروض أن يتبناها هذا الفن في التعبير عن قضايا الوطن والإنسان المصيرية، خاصة كما أسلفنا في تلك الفترة المهمة من التاريخ المعاصر، ولهذا نجد أغلب هؤلاء الكبار في موسيقانا العربية، قد تبنوا هذا النهج في مجمل أعمالهم، التي قارب بعضها مفهوم "القطعة الممتازة" الشائع في الموسيقى الغربية الكلاسيكية . مستفيدين من العلوم الموسيقية الغربية المتقدمة، في تثوير وتخصيب فنهم الموسيقي الأصيل، عبر فهمهم العميق لمغزى وجوهر الحداثة والتجديد المعرفي المبني على أصول وقواعد علمية تحافظ على روحية النص الموسيقي العربي، من دون تحجر وجمود.
يكفي المرء أن يقرأ في تجربة هؤلاء الرواد من سيد درويش الى الرحابنة وغيرهم ، كي يدرك حجم الإبداع والأصالة في منتوجهم الموسيقي والغنائي، الذي حجز مكانه ومكانته في الذاكرة الجمعية العربية، ونال قسطاً وافراً من التقدير والإشادة، لأنه فن بني على معطيات فكرية وثقافية وطنية، وليس على معطيات وافدة مستوردة، أدت بعد رحيل هؤلاء العباقرة، إلى مسخ وتشويه منجزهم الإبداعي، وتذويبه، في متاهة العولمة ومابعدها، حيث باتت الأغنية العربية المعاصرة، أقرب ماتكون الى فقاعات تكنولوجية، تتطاير في السماء دون ثقل يربطها بتربة وطين هذا الفن الأصيل، إنها أغنية الخفة والاستعراض الأجوف والتقليد المريض للآخر، بحجة مسايرة العصر، والرقص على إيقاعه الصاخب، حيث طوفان الصور الحسية، يلاحق المتلقي العربي ويطارده أينما حل، من دون أية ضرورة فنية وجمالية تذكر، وهذا مايجعل المقارنة مستحيلة، بين ذلك الزمن الجميل، الذي احتفى بالقيمة والجودة الإبداعية على الدوام، وبين الزمن الحاضر المثقل بالخيبات والانتكاسات لفنٍ كان إلى وقت قريب، ملاذاً للمتلقي من وطأة الحياة ومنغصاتها التي تكاد لاتنتهي.
صحيح أن المشهد الغنائي المعاصر يحمل بين طياته بعض الومضات الإبداعية التي لايمكن إنكارها، وصحيح أيضاً، أن هناك بعض الأمسيات الموسيقية تقدم بدورها فن نظيف وراقي، لكن ذلك، لايعني أن الأمور بخير، فطوفان الفن السلعة يغزو الأسواق الفضائية، وتيار الاستهلاك التجاري يغزو العقول ويسطح الذائقة والذوق العام، عبر نتاجات معلبة أقرب الى "المكننة" التي لاروح فيها ولاحياة، حيث يتم استنساخ التجربة الغربية، لدرجة يظن المرء معها، أن هناك شخص واحد يقوم بطباعة ونسخ هذا الفن المزوّر، الذي يلعب بإتقان وحرفية على وتر الغرائز الحسية المريضة، وبات كل من يتعرض لنجومية هؤلاء الأدعياء، رجعياً ومحافظاً، إن لم نقل متخلفاً، لأنه لايتماشى مع روح وإيقاع العصر المعولم ، وهذه مصيبة كبرى، تضاف الى أمراض مجتمعنا العربي العتيد، الذي اعتاد على التقليد والغربنة بمعناها السلبي، يكفي المرء أن يرى كيف تبذر الملايين على فنٍ كسيح وهزيل الى حد الخواء، هو أقرب الى الفقاعة أو في أحسن الأحوال، كالوجبات السريعة اللذيذة بسمومها وأمراضها القاتلة، ناهيك على أن هذه النوعية لاتحمل فكراً أو أية رسالة أو مضمون تعبيري، فهذا آخر مايفكر به صانعوا هذا الخراب ، المهم في الأمر أن تكون السلعة جذابة ومغرية، أما عن القيمة والجودة، فحدّث مالايطيب لك الحديث. يقول الشاعر الراحل "عبد الرحمن الأبنودي" وهو من الشعراء الكبار الذين ساهموا في إثراء زمن الفن الجميل بروائع خالدة : " مع تحول الأغنية - بفضل التلفزيون إلى فن بصري يعتمد على الإيقاع والرقص البهلواني، تراجع النص ليس فقط الى المرتبة الثالثة، بل الى خارج الأغنية، وصارت الأغنية تطير في الهواء بلاثقل حقيقي، ولم يعد جمهورها قادرا على التوقف أمام المعنى لانه يلاحق الإيقاع .. وكان لابد أن يظهر جيش من المؤلفين غير الموهوبين والملحنين الذين لايحتاجون بالفعل الى التلحين فضلاً عن الأصوات التعيسة وهؤلاء جميعاً اختبأوا وراء الإيقاع الصاخب للأغنية الجديدة، بدعوى أن هذه أغاني الشباب، وأن عصر، ياليل ياعين، قد ولى، والحقيقة ان الصراع ليس مع الـ"ياليل ياعين" لأنها انتهت بالفعل منذ نصف قرن، إنما هو صراع بين التفاهة والجدية، بين من يؤمن بالكسب السريع والمتاجرة في السلع "المضروبة" والطعام المغشوش ومن يؤمنون بأن للفن وظيفة حقيقية في بناء عقل ووجدان هذه الأمة.


طباعة