الليبرالية ونظام التفاهة...مسخ الإنسان وتسطيحه

1-48.jpg

الثورة أون لاين- رشا سلوم: 

هل فكرت للحظة ما أن تتساءل.. لماذا يبدو الخواء الثقافي والروحي سيد ما نراه في هذا العالم أو ما يسمونه حضارة وثقافة يصدرونها إلينا.. لماذا تبدو منتجاتهم هذه كما لو أنها بعوضة حين تصلنا تترك أثرها بالتراكم على الجسد وتتحول إلى ملاريا و لا تفعل ذلك حيث هم؟.
بل إذا فعلت فلا تترك الأثر العميق الذي تتركه في العالم الثالث.. وثمة من يسارع في الغرب إلى البحث في أسباب هذا الخواء..
كتاب نظام التفاهة الذي صدر منذ عامين لمؤلفه الكندي الان دونو، وترجمته إلى العربية الدكتورة مشاعل.
عبد العزيز الهاجري.. سوف يجيبك على ما يدور في ذهنك يقدم القراءة الفكرية والاجتماعية التحليلية التي تظهر كيف يغدو التسطيح والبلاهة نهجاً علمياً يعمل عليه من يقفون وراء التسطيح في كل شيء.
نظام التفاهة لعبة تقوم بها الأطراف التي تسخف كل شيء كما تقول الهاجري.. لعبة يعرفها الجميع ويقومون بها رغم أن أحداً منهم لا يتكلم عنها، وليس لها قواعد مكتوبة لكنها تتمثل في الانتماء إلى كيان كبير تستبعد فيه القيم من الاعتبار.. فيختزل النشاط المتعلق به إلى مجرد حسابات مصالح متعلقة بالربح والخسارة الماديين.. المال والثروة والمعنوية كالشهرة والعلاقات الاجتماعية وذلك إلى أن يصاب الجسد الاجتماعي بالفساد بصورة بنيوية، فيفقد الناس تدريجياً اهتمامهم بالشأن العام، ويقتصر همهم على فردياتهم.
من يدير اللعبة. ؟
اما من يدير اللعبة كما تقول الهاجري في مناقشتها للكتاب فهم الفئة الثانية لأن أفرادها أقرب إلى ما تتطلبه الطبيعة اليومية للحياة من التبسيط ونبذ المجهود والقبول بكل ما هو كاف للحدود الدنيا.. فإن لم يرتفع الثانيون إلى المرتبة العليا للأوائل حرصوا على أن ينحدر هؤلاء إلى دركهم، والانحدار أمر يحدث بسرعة وبشكل مخاتل يجد المرء نفسه وقد سقط من عليائه فانضم إلى من في السفح فالتسفل ايسر من الترفع.. وبالنهاية فلا أهمية لأي شيء كما تم إيهام الناس، فلا سياسة ولا جامعة ولا إعلام.. بل ولا حتى شؤون الصالح العام هي أمر مهم.. إذ تقتضي التفاهة أن نتذكر أن الأمر في النهاية لايعدو أن يكون لعبة.
اما خلاصة ذلك كما يراه حسن اسميك في دراسته المهمة لهذا النظام وما يقوله مؤلف الكتاب فهو:
(أما عن النتائج الطبيعية لهذا كله فتتلخص بالهوس المالي، وبالقيمة المطلقة التي تتمتع بها النقود فتكون قادرة على تحقيق أي طموحات، ويؤدي ذلك إلى آثار اجتماعية وخيمة كظهور شخصيات تعاني من أمراض نفسية مرتبطة حصراً بالنقود، مثل الجَشع والإسراف والطمّع وغيرها.
ويفرق الكاتب على المستوى الثقافي والحضاري مفهومين للاقتصاد، المادي والوجداني، موضحاً أن الأول أصبح يحكم الثاني؛ إذ لم تعد العفوية والحرية الانفعالية والرفاه العاطفي أموراً ممكنة في منأى عن الحالة المادية، كما بات رأس المال مستحوذاً على كل حق بالرفاه الشعوري، إلى درجة لم تعد فيها حتى الفكاهة قادرة على النيل من النظام التافه.
تتجلى أدوات نظام التفاهة في المشاهير والأثرياء، الذين ينبرون إلى الدفاع عما يسببه من كوارث مدمّرة بيئياً وبشرياً. أما الفنان الحقيقي فيختفي، إذ إن المطلوب هو فن بلاستيكي يُنتج سلعاً فنيةً لا تعكس سوى صورة التفاهة الاقتصادية.
يؤكد دونو في نهاية كتابه أهمية قيام ثورة شاملة على هذا النظام الذي يقودنا إلى الانحطاط الأخلاقي والنفسي والمادي والاجتماعي، على أن تستفيد من أخطاء الاتجاهات الفكرية السابقة، كاليسار مثلاً، فتعمل على تحديد بوصلتها بثقة تترافق بالحرص العميق والنقد البنّاء.).
نظام التفاهة الذي يروجون له ليس لعبة للمتعة العابرة بل استلاب الروح والعقل والجسد استلاب القيم والثقافة والعمل الغاية منه أن تكون مجرد فرد في قطيع كبير يقاد إلى المذبح بعد التسمين واستهلاك ما لديك من طاقات يجب أن تصب في رصيد من يقود اللعبة.
والحديث عن مفردات هذا النظام تعني الغوص في الثقافة واللغة والسياسة والاقتصاد والأهم من ذلك الإعلام الذي يقود اللعبة كلها


طباعة