صرح الجندي المجهول.. شعلة من نور تضيء للأجيال درب نضالها.. مع إطلالة الأول من آب يتنفس السوريون أوكسجين حياتهم

--04M.jpg

الثورة أون لاين - لقاء غصون سليمان وميساء الجردي:

في عيدهم الخامس والسبعين تحضر الذكرى بعباءة العيد والولادة تتحفز النصوص ويتباهى الحرف وتطرب الكلمات وهي تعزف على سلم موسيقا الوطن أنشودة الجيش العربي السوري وقسمه العظيم الذي جسد طريق الحق بجناحي الكرامة والاستبسال للذود عن حياضه المقدس.
وفي هذا اليوم الأغر الأول من آب عيد السيادة والكرامة لابد من إضاءة على الحدث الذي يحاكي تاريخاً وجغرافية ووثائق بعهدة وطن، لنرى ذاك التراث الثقافي والمجتمعي والوطني من خلال الحديث الشيق مع العميد الدكتور هدى محمد أبو طبيخ رئيس فرع المتاحف والتاريخ العسكري بالإدارة السياسية، حيث أطلقت للصورة المعرفية في الذاكرة والواقع توصف المشهد كما تقول:
فرع المتاحف والتاريخ العسكري في أحضان جبل قاسيون صرح الشهيد الشامخ العظيم ماثلاً للعيان حقاً وحقيقةً وشعلةً مضاءةً أبدا ونوراً يضيء للأجيال درب نضالها الطويل.
الشهيد أكرم من في الدنيا وأنبل بني البشر قالها القائد المؤسس حافظ الأسد الخالد في ضمائرنا مؤكداً (من الواجب تكريمهم لأنهم وحدهم افتتحوا جدار الخوف مقلمين أظافر الوحش الكاسر محطمين أسطورته الزائفة).
مع إطلالة الأول من آب من كل عام يتنفس السوريون أوكسجين حياتهم اليومية ممزوجاً بعبق خاص إلى القلوب والأرواح وكيف لا وفي الأول من آب كانت ذكرى الولادة؟.
نعم لقد كانت ذكرى ولادة جيش وطني، وتحولت إلى ذاكرة وطن وموطن ذكريات من البطولة والإقدام والشجاعة والفداء والتضحية فالجيش الفتي حمل راية الأمة، وأخذ على نفسه العهد والوعد بأن يكون الحارس الأمين من غدر ذئاب الليل ووحوش الغابة وقد أصبحت أكثر شراسة وهمجية وقدرة على إلحاق الأذى بإنسانية الإنسان وكينونة الدول فكان بحق جيش الأمة وحامل رايتها والمدرسة الوطنية العليا التي خرّجت أفواجاً متتالية من عشاق الوطن وفرسان الشهادة وأبطال ملاحم إرادة الشعوب المؤمنة بقضاياها والمستعدة دائماً للتضحية بكل غال وثمين في سبيل العزة والسيادة والحفاظ على مقومات الكرامة التي لا تقبل التجزئة ولاالمساس بقدسيتها ،وتحول الجيش العربي السوري في ظل ثورة الثامن من آذار إلى جيش وطني للحرب والإعمار والتعبير الصادق عن إرادة الوطن، وإرساء أسس الأمن والاستقرار لضمان انطلاق مسيرة البناء وتعزيز القدرات الذاتية للدولة في وجه الأطماع الخارجية والقوى الساعية ليكون الحارس المكلف بضمان تلك المصالح.
وتضيف مديرة فرع المتاحف والتاريخ العسكري: على الرغم من الآثار السلبية التي خلفتها نكسة حزيران إلا أن الجيش العربي السوري استطاع وبمهارة فائقة أن يتجاوز واقع النكسة ويكتب صفحات متتالية من مجد الوطن عندما قدر له أن يكون موضع اهتمام قائد استراتيجي أعاد رسم خارطة الأولويات وألزم جميع القوى الإقليمية والدولية الفاعلة والساعية للتحكم بحاضر المنطقة ومستقبلها بإعادة الحسابات بعيداً عن الطموحات غير القابلة للتحقيق، وفي غضون أقل من ثلاث سنوات من عمر التصحيح المجيد الذي هندس معالمه القائد المؤسس حافظ الأسد طيّب الله ثراه كانت المفاجأة وكانت انطلاقة المسيرة المظفرة التي وضعت في أول سلم اهتماماتها إعادة بناء جيش الوطن ليكون بحق جيشاً عقائدياً قادراً على الاضطلاع بمهامه المقدسة على الوجه الأكمل.

--03M.jpg

"صوت الحق"..
ومن منطلق أن الشهداء وحدهم جعلونا نعيش زمن الشهادة بعد أن رسموا بدمائهم ربيع دنيانا حاضرا" ومستقبلا" وبتضحياتهم يعلو صوت الحق أبدا وترتفع راية الوطن فرسالة الشهداء تحمل في طياتها كل معاني الشرف والإباء وتضرب أروع الأمثلة في التضحية والفداء فوحدها دماء الشهداء التي تورق وتزهر ثم تثمر في اللحظة ذاتها وتستمر بالعطاء إلى ما لانهاية كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة وتبقى الحبة دون فناء وتبقى مكمن عطاء ومنبع خصب وإبداع لسبع، وسبع أخريات وحدها الدماء التي تروي قصص أنفس نذرت ذواتها قربان وفاء للدفاع عن العرين وحماية الشفق الأحمر.
وتكريماً وتخليداً للشهادة والشهداء كان القرار ببناء صرح الجندي المجهول لأن الجود بالنفس أقصى غاية الجود فالشهيد قدم كل غالٍ في سبيل الحفاظ على أرض الوطن وصون كرامته وبتضحيته قدم مهر العشق الأسمى بسخاء قلً معه نظير فاستحق هذا التقدير الخالد.
وحين يقف الزائر وهو في رحاب الصرح الكبير يكتشف رؤياه الأولى بين نقوش الحجر وزخرفة اللون ويدون رؤياه الثانية في سجل الخالدين (هنا يرقد مقاتل استشهد من أجل سورية والعروبة) فيتلمس اليقين وتمتزج المعجزة بالحقيقة.
ربما رحل أولئك الشهداء وهم يظنون أنهم محدودون بزمان ومكان مرتهنون بحدث مضى ولكنهم وفي لحظة التدشين لصرحهم العظيم وراعي الشهادة يرعى الاحتفال ويعرفون الحقيقة الساطعة أنهم خالدون، خلود الأرض والسماء ،مكرُمون في الأرض بين الناس و عند الله يرزقون

الجندي المجهول"

والجندي المجهول توضيحاً دون حصر هو الشهيد الذي قدم روحه فداءً لوطنه فهو الشجاع بإقدامه وهو الكريم بسخائه وهو الأمين على القيم وهو الوطني الفذ في وطنيته، وليس سهلاً أن نعدد شهداء النضال الطويل لبلدنا ولكن ثمة شهيداً رمزاً نكرم مثواه ونمجد ذكراه عن جميع الشهداء هو زوج كل أرملة وابن كل أسرة وأب كل طفل ونرفع له صرحاً شامخاً نقدم أمامه أكاليل الوفاء والتمجيد لأنه أشرف من أحب وأعطى.

وصرح الجندي المجهول بمواصفاته الفنية وبشكله المعماري الراهن ليس بدعة جديدة ففي عواصم العالم صروح مماثلة تعبر عن تقدير الشعب واحترامه لأولئك الذين ضحوا بحياتهم ذوداً عن وطنهم وليبق هذا الصرح علامة مضيئة أبداً للأجيال يرون فيه رمزاً تكريماً وذكرى خالدة تليق بمكانة الأبطال الذين استشهدوا دفاعاً عن الحق والكرامة.
إن هذا الصرح هو كتلة معمارية نحتية ترمز إلى هذه المعاني (الاستشهاد- المجد-الخلود- التكريم) ويتمتع كأثر فني بالأصالة فشكله النحتي المعماري أُستمدَ من تقاليد الفن العمارة الأصيلة فمثلاً لقد استمد صرح القاهرة من الهرم واستمد صرح عمان من الكعبة المشرفة وفي باريس كان قبر الجندي المجهول محمياً بقوس حجري ضخم هو نسخة من القوس الروماني قوس النصر وفي واشنطن هو مسلة عالية وهكذا.
إن صرح الجندي المجهول في الجمهورية العربية السورية ينهض شامخاً على رابية فسيحة من ربى جبل قاسيون، يطل على مدينة دمشق المتوضعة على سفح هذا الجبل واستمد شكله المعماري النحتي من العناصر الأصيلة وهي القبة والقوس هذه العناصر التي عرفناها منذ بداية التاريخ الحضاري واستمرت حتى وصلت ذروة تنوعها في العصور الإسلامية المتعاقبة وإذا انتشرت في العمارة الكلاسيكية الإغريقية - الرومانية فلقد كان أجدادنا هم أول من ابتكرها وأبدع صياغتها.
يتألف الصرح من قسمين:
- قسم ظاهر يتكون من قبة وقوس.
- قسم سفلي غير ظاهر مؤلف من دورين:
- دور خاص بمتحف الصرح
- ودور خاص يحتوي خمس لوحات فنية مجسمة (ديوراما) تمثل بعض المعارك العربية الحاسمة في تاريخنا العربي وهي:
- معركة اليرموك التي قادها خالد بن الوليد وفتح فيها بلاد الشام.
- معركة حطين التي قادها صلاح الدين الأيوبي وحرر فيها بيت القدس.
- معركة ميسلون التي قادها يوسف العظمة دفاعاً عن استقلال سورية.
- معركة مرصد جبل الشيخ في حرب تشرين التحريرية التي قادها القائد المؤسس المناضل حافظ الأسد.
- معركة السلطان يعقوب التي خاضها جيشنا العربي السوري في لبنان دفاعاً عن أرضه وشعبه واستقلاله.
والصرح بقسمه الظاهر يجثو فوق الأرض حيث يراه الناظر جبهياً وجانبياً بشكلين مختلفين.
فالشكل الجبهي مؤلف كما ذكرنا من قبة مجردة تبدو وكأنها معلقة في الهواء (وهذه ميزة معمارية إنشائية تدخل في مضمار الممكن الصعب).
ومن قوس حادب على القبة وهو على شكل فتحة قوسية من باطنه وذي شكل آبدي من الخارج وإذا كانت الفتحة القوسية مستمدة من تقاليد وأشكال الأقواس العربية الإسلامية فإن الشكل الخارجي يعبر عن تشكيل حداثي خرج عن التقليد إلى الإبداع ومن المألوف إلى الجديد فحمل بخطوطه المتميزة الرسم النهائي للصرح.
والقبة التي أصبحت علامة معمارية إسلامية لا تكاد منشأة معمارية مسجد أو مدرسة أو ضريح يخلو منها ترمز وحسب المفاهيم الفلسفية للعمارة العربية الإسلامية إلى قبة السماء، فإذا كان الكون كرة كاملة مؤلفة من نصفين :النصف السفلي هو الأرض، والنصف العلوي هو السماء، فإن القبة في العمارة الإسلامية كانت دائما ترمز إلى السماء بكل ما تحمله من معاني السمو والرفعة و القداسة، إضافة إلى أنها تذكر بخوذة المقاتل، ولكنها في الصرح بقيت معلقة دونما اعتماد مباشر على الأرض بواسطة دعائم أو أقواس كما هو شأن القباب الأخرى ،وذلك لكي تبقى محافظة على رمزها الأصلي دون أن يكون لها وظيفة التغطية المعمارية ،والقوس هو وشاح جميل للقبة يرمز لقوس النصر الذي يرتفع عالياً نحو السماء.
و هنا يجب التنويه إلى أن هذه القبة المعلقة هي ابتكار جديد لم يسبق أن ظهر في أي عمارة أو صرح من قبل، ولابد أن نذكر معايير القياس لنعطِ فكرة عن الأبعاد الحقيقية لأجزاء هذا الصرح العظيم وأقسامه.
فارتفاع القوس (37.2) متراً، وعرض قاعدته السفلى (37.6)متراً، والعليا (30.8) متراً، وهذا القوس مُفرّغ من الداخل أما القبة فترتفع عن الأرض بـ (5.28) متراً، ويحملها مسندان جانبيان فقط قطر هذه القبة (20) متراً، وعليها من الخارج سوار من الفسيفساء لونه أخضر بعرض مترين، كتب عليه بالفسيفساء الزجاجي الذهبي الآية الكريمة: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءً عند ربهم يرزقون".
أمام هذا الصرح العظيم توضع الشعلة المصنوعة من النحاس قطرها متران وارتفاعها (0,7)متر وقد سُطِرَ على مقدمتها العبارة التالية: (هنا يرقد مقاتل استشهد من أجل سورية والعروبة) ويحيط بها إطار كتلي من الرخام الغابرو.
نفذ الصرح من البيتون المصقول (بروت) متوضع على أرض مساحتها (126000) م2 مؤلفة

من الأجزاء التالية:
١-ساحات

Bashar Mouhamad, [٠١.٠٨.٢٠ ٠٨:٣٤]
المراسم مبلطة بالحجر الرحيباني بمساحة (7000) م2 تقريباً.
2- مساحات مزروعة بعشب تبلغ أكثر من (47000) م2.
3- مساحات حراجية تقدر بأكثر من (60000) م2.
في أسفل كتلة الصرح طابقان تحت الأرض ارتفاع كل منهما (5,5) أمتار، حيث يمكن الإطلالة على القبو الأول من خلال فتحة الباثيو التي تقع على محيط القبة بمساحة (270) متراً مربعاً.
قد يطول الحديث عن الآبدة العظيمة وعن قيمها الروحية المتمثلة بالبطولة والشهادة والتعبير عن الشهادة وقدسيتها يعني انتماءً أصيلاً لتراث أمة لها تاريخ تليد ولنضال شعب قرر الانتصار فانتصر.
فالإنجاز كان عظيماً لأن التصميم والدراسات كانت عربية سورية والصرح كان حقيقة واقعة لأن البناء أشُيِدَ بأيدٍ محلية والانتصار على المستحيل معروف لدى السوريين فهم كما يفكرون يكونون لأنهم أهل الإرادة الفولاذية وأصحاب الأفعال الإعجازية .
فهنيئاً لنا جميعاً هذا الصرح الحضاري الذي أنجز في عصر الشهادة المستمر بتضحيات شعب سورية وبسالة جيشها وحكمة قائدها قلب العروبة النابض بكل قيم العزة والسيادة والكرامة.
وتابعت العميد الدكتور أبو طبيخ حديثها..يحضرني قول للسيد الرئيس الفريق بشار الأسد "إن في سورية أُسُساً لا يمكن المساس بها، قوامها مصالح الشعب العربي السوري، وأهدافه الوطنية والقومية والوحدة الوطنية، ونهج القائد الراحل حافظ الأسد، والقوات المسلحة، والمساس بهذه الأُسس يصب في خدمة أعداء الوطن والأمة".
ولكن في ظل استمرار الحرب المفروضة والجائرة على الوطن وبعد 9 سنوات لم يعد بالإمكان التنكر لدور الجيش العربي السوري الذي أثبت بحق أنه جيش المعجزات فما تعرضت له سورية منذ آذار 2011م ليس حرباً تقليدية ولامجرد عصابات إرهابية بل حرب مشتركة لم تشهد البشرية لها مثيلاً عبر تاريخها الطويل والمجاميع الإرهابية التي تم تجميعها من شتى أصقاع الكون ضاهت أعدادها عشرات الآلاف باعتراف جهات رسمية دولية كبرى، أي أن الجيش العربي السوري يواجه جيشاً من الإرهاب المنظم والممنهج والمدعوم من قوى إقليمية ودولية كبرى ومع ذلك وعلى الرغم من كل أنواع الدعم العسكري واللوجستي والاستخباراتي والتقني، وعلى الرغم من تجنيد إمبراطوريات إعلامية وشيوخ الفتنة وكل ما تم الزج به لتفتيت الدولة السورية إلا أن رجال الجيش العربي السوري كانوا بالمرصاد لذلك كله فقاموا بمهامهم الوطنية والدستورية والأخلاقية على أكمل وجه وحافظوا على الوطن ووحدته الجغرافية والبشرية وقوضوا روافع الإرهاب التكفيري ووحوشه الذين أرادوا تشظية الوطن فكانت النتيجة تكسير الكثير من أنيابهم السامة وتقليع مخالبهم المسمومة وافتداء الوطن وحمايته بقوافل غالية من الشهداء الأبرار والرجال الشجعان ولو أن جزءاً يسيراً مما تعرضت له سورية قد تم توجيهه ضد دول عظمى لدكت أركانها وقوضت معالمها وأزيلت عن الخارطة بكل ما تعنيه الكلمة.
لقد تحول الجيش العربي السوري وما اكتسبه من مهارات فائقة في هذه الحرب المفروضة على الوطن إلى أكاديمية كونية في محاربة الإرهاب والقضاء عليه ولم يعد بإمكان أطراف التآمر والعدوان إلا التسليم بالواقعية الميدانية التي فرضها أداء حماة الديار فكانوا بحق رجال المعجزات وأبناء الوطن الميامين الذين عززوا سيمفونية مجد الوطن بدمائهم الزكية وأرواحهم الطاهرة.
فتحية الإجلال والتقديس والإكبار لشهداء الوطن وحماته وكُماتِه وعنوان عزته وشموخه وتحية المحبة والتعظيم لجيشنا البطل في عيده الخامس والسبعين وعهداً على الوفاء لدماء رجاله وتضحياتهم الغالية التي حافظت على خضرة شجرة الوطن الأشم الصامد المنتصر بقيادة السيد الرئيس الفريق بشار الأسد.
وكل عام وكل ذرة تراب بسوريتنا الحبيبة مُطهرة من رجس الإرهاب والعدوان وبألف خير.


طباعة