عن الإعلام التربوي ودوره في نشر المعرفة الإنسانية

الثورة اون لاين - سلام الفاضل:
إن النمو السريع في وسائل الاتصال والإعلام، والتوسّع في استخداماتها الجماهيرية، ولا سيما في المجالات السمع/بصرية، علاوة على تقدم نُظم المعلومات، فتح آفاقاً ثقافية تعليمية جديدة، ومتّن الروابط بين الإعلام والاتصال من جهة، وبينهما وبين التربية من جهة أخرى.
فمعظم المجتمعات اليوم تشهد تنافساً مُعلناً أو خفياً بين النظامين التربوي والإعلامي، ونتج عن هذا التنافس تناقضات خطيرة في عقل الفرد وطرائق تفكيره. فالنظام التربوي يقوم – عادة – على قيم النظام المتمثلة في المحتوى الدراسي المنضبط، وعلى قيم التنافس في التحصيل والإنجاز، في حين يستند معظم النظام الإعلامي إلى الاتصال الجماهيري الذي يهتم بالجديد، وبالموضوعات المتنوعة من دون التركيز على موضوع بعينه، وتقديم البرامج الترفيهية الممتعة بقطع النظر عن ركاكة الأساليب أو سطحية المفردات اللغوية.
ولذلك لم يدخل الإعلام في منافسة طوال مسيرته التاريخية، كما دخل مع التربية في العصر الحديث، فكل منهما يضع الآخر موضع الاتهام في إفساد الجيل وتهميشه، وإلهائه بقشور الأمور بدلاً من التركيز على لبها أو جوهرها، غير أن هناك جوانب عدة تجمع بين هذين العلمين، حتى إنه لا يكاد يُذكر أحدهما حتى يُذكر الآخر.
*المفهوم بين الإعلام والتربية:
أصبح من الواضح أن وسائل الإعلام تسهم بدور مهم في نشر المعرفة الإنسانية، فضلاً عن التثقيف والتوجيه والتعارف الاجتماعي والتنشئة المجتمعية، وبالتالي فهي تعدّ من الأدوات المهمة في تحقيق الأهداف التربوية.
فالعملية الإعلامية – كما جاء في كتاب (الإعلام بين الثقافة والتربية)، تأليف: د. عيسى الشمّاس، وإصدار الهيئة العامة السورية للكتاب – هي عملية تربوية انطلاقاً من نظرية "ماكلوهان" التي ترى: "إن الإعلام وسيلة نشر للمعلومات، والثقافة والتعليم، والتطور التكنولوجي". وهذه المهمات كلها تدخل في وظائف التربية وأهدافها.
كما يرى الباحثون الاجتماعيون أن التربية هي الوظيفة الأساسية التي تحافظ على بقاء المجتمع واستمراره وتطوره، وهي تهدف إلى مساعدة الأفراد على النمو بشكل يمكّنهم من اكتساب العضوية النافعة لأنفسهم وللمجتمع، في حين أن الإعلام غالباً ما يتفاعل مع الأفراد، حيث يقدم لهم بعض التوجيه والتثقيف، ويغمرهم ببرامج التسلية والترفيه، والدعاية والإعلانات... وغيرها.
*العلاقة بين الإعلام والتربية:
إن العلاقة بين الإعلام والتربية علاقة قوية، فجذورهما متداخلة، وأهدافهما واحدة، وإن اختلفت وسائلهما وأساليبهما.
لكن تأثير الثقافة الإعلامية، بصفة عامة، - والكلام كذلك كما جاء في كتاب (الإعلام بين الثقافة والتربية)، تأليف: د. عيسى الشمّاس، وإصدار الهيئة العامة السورية للكتاب – ليس تأثيراً ثابتاً بل هو تأثير متغيّر، أما الثقافة التربوية فهي أبطأ من حيث تأثيرها، ولكنها أكثر ثباتاً واستقراراً، كما أنها ذات مصادر محدودة، بينما تتسع دائرة الثقافة الإعلامية يوماً إثر يوم، وتتعدد مصادرها وأشكالها.
وقد اشتد التلاقي بين التربية والإعلام مع الانتقال من مرحلة الاتصال المباشر إلى عصر الإعلام الجماهيري، والاتصال عبر الأقمار الصناعية، والاتصال الحضاري والثقافي، وهكذا أصبح من الضروري تعميق البحث بيت التربية والإعلام، وتأثيرهما المشترك من جهة، ومدى حاجة كل منهما إلى الآخر من جهة ثانية، لما لهذه المسألة من علاقة مباشرة بالمجتمع والحياة، ولما لها من تأثير مباشر كذلك على العملية التربوية والتعليمية، والمؤسسات التربوية كافة، بدءاً من الأسرة وانتهاء بالمجتمع.
*الإعلام التربوي: أهميته، وأهدافه
يقصد بالإعلام التربوي تسخير الإمكانات التقنية في علوم الاتصال لخدمة الأهداف التربوية، وفق نظريات التعليم والتعلّم، ومفهوم علم النفس التربوي، وذلك بهدف إحداث أنماط تعليمية تواكب التغيرات المعرفية، بحيث يدرك الإعلاميون دورهم التربوي إلى جانب نشاطهم الإعلامي.
وبما أن الإعلام التربوي هو جزء من الإعلام العام، ويمكنه أن يمتلك هذه المؤثرات النفسية والتربوية، فإنه يستطيع تحقيق جملة من الأهداف الخاصة بالجوانب الاجتماعية، والثقافية، والتربوية.
فعلى صعيد الأهداف الاجتماعية، فإن الإعلام التربوي يمكنه دعم التكامل التربوي القائم بين المدرسة والمجتمع المحلي، من خلال إيجاد وسائل اتصال فعّالة، تنقل وجهات النظر المتبادلة بين الطرفين. كما أن بمقدوره تنمية روح التعاون والعمل الجماعي، وإذابة الفردية والأنانية، إلى جانب مساهمته في حلّ الكثير من المشكلات الاجتماعية والنفسية التي يعاني منها الناشئة، وتعويدهم على مهارات الإصغاء الإرادي للآخرين.
أما على صعيد الأهداف الثقافية فإن للإعلام التربوي دوراً مهماً في شرح السياسات التربوية، بما يسهم في إغنائها، والتفاعل معها، وإنجاحها، إضافة إلى دوره في إغناء الحياة الثقافية لدى المتلقين، وإشراكهم فيها، وتنمية الذوق الفني والإحساس بالجمال، إلى جانب

إرساء قيم أخلاقية عدة.

ويساهم الإعلام التربوي كذلك في تحقيق جملة من الأهداف التربوية التي تتعلق بالتنسيق بين المؤسسات التربوية والإعلامية بهدف إنجاز التكامل في البرامج والأهداف والأنشطة. كما أنه يسعى إلى تنفيذ التغطية المتوازنة والمتكاملة للجوانب المختلفة في العملية التربوية / التعليمية. إلى جانب تبنيه قضايا التربية والتربويين، ومعالجتها إعلامياً، وتنمية الوعي بأهمية العلم، ومكانة المعلم، ورسالته، وإيجاد قنوات للتعليم المستمر والتعليم عن بعد.


طباعة