الدروس الخصوصية.. أعباء إضافية وتقليد أعمى عند البعض

الثورة أون لاين - حسين صقر:

انتشرت إلى حد كبير ظاهرة الدروس الخصوصية حتى باتت تشكل عبئاً كبيراً على أهالي الطلاب، وتكون لهم فكرة مسبقة بأنها الحل الوحيد لتميز أبنائهم وتجاوزهم مرحلة الخطر سواء أكان في الشهادتين الإعدادية أو الثانوية، أم على مستوى المراحل التعليمية الأخرى، والسؤال: لماذا تفشت هذه الظاهرة؟ ولماذا يحدث ذلك؟ وما الأسباب التي أدت إلى تعمقها حتى أصبح من بين كل خمسة طلاب طالب يأخذ تلك الدروس، وبدا الأمر وكأنه موضة العصر، أو لأن الطالب الذي لا يستطيع أهله تأمين تلك الدروس لن ينجح لا محال.
يتناسى الأهل أحياناً ويختلط ذلك بهاجس الخوف على أبنائهم، بأن التعليم في سورية قطع شوطاً كبيراً منهجياً و فنياً وبنى تحتية، إذا استثنينا سنوات الحرب الإرهابية التي تسببت ببعض المشكلات، وأثرت سلباً وبشكل واضح على عملية التعليم، وذلك فيما يخص تلك البنى، ودوام المعلمين والمدرسين وتنقلاتهم وحتى وفود الأهالي إلى أماكن أكثر أمناً هرباً من جرائم العصابات المتطرفة المأجورة، ولهذا كله يدفعهم عامل الخوف على مستقبل أبنائهم للجنوح نحو الدروس الخصوصية، في وقت يجب أن يعززوا فيه ثقتهم بالمدارس والحصص الصفية وما يمكن أن يتلقاه أولادهم في تلك المدارس، إلا في حالات خاصة جداً، كأن يكون للطالب ظروف أعاقته من متابعة تعليمه في المدرسة نتيجة انقطاعه بسبب مرض أو أي ظرف آخر.
* اختلاف بآراء الطلاب
الطالبة سناء دخل الله ثالث ثانوي قالت: في أحيان كثيرة يكون شرح المدرس للدرس ضئيلاً ولا يستوفي حقه، ما يؤدي إلى نقص في المعلومات، وهو ما يدفعني كطالبة للاستعانة بالدروس الخصوصية وما يمكن أن يرفد مادتي بمعلومات جديدة يصعب حصولي عليها أثناء الحصة الدرسية، وذلك نتيجة عدم قدرة المدرس على الرد على جميع الأسئلة الموجهة له من الطلاب، ولا سيما إذا كان العدد في الشعبة كبيراً.
بدوره الطالب معين ناصر أيضاً ثالث ثانوي أكد أن كثافة المنهاج وصعوبته في بعض المفاصل، وخاصة في المواد العلمية، لا تتيح للمدرس حل جميع المسائل، وهو ما يدفع بعض الطلاب للاستعانة بالمدرسين الخصوصيين، وفوق ذلك حتى الطالب الذي لا يواجه صعوبات في الفهم يكون في أحيان كثيرة بحاجة لمن يصقل له المعلومة التي يدرسها حتى لو كان متأكداً منها، ومدرس المادة في المدرسة قد لا يستطيع القيام بهذا الدور لجميع الطلاب في المدرسة.
محمود علم الدين حادي عشر علمي قال: أنا كطالب في هذا الصف لا أحتاج إلى الدروس الخصوصية، لكن بعد عام من هذا التاريخ سوف أجد نفسي مضطراً كزملائي الذين يأخذون تلك الدروس لأن ألجأ إليها، وسيكون السبب في ذلك ما تم ذكره من قبلهم، لأنه ومع كل أسف تتكرر مأساتنا مع تلك الدروس في كل عام، لأن ظروف التعليم لم تتغير، والمعاناة نفسها، وأذكر أن لي إخوة أصبحوا في سنوات التخرج بالجامعة، ولجؤوا لتلك الدروس من قبل رغم الظروف المادية الصعبة لأسرتي.
نجوى محاميد طالبة بكالوريا أدبي قالت أنني بحاجة لدروس تقوية في اللغتين الإنكليزية والعربية، وسببه عدم التأسيس الصحيح في تلك المادتين في المدرسة التي انتقلت منها، وذلك نتيجة نقص الكادر التدريسي فيها، واضطرار الإدارة الاعتماد على طلاب في السنوات الثالثة والرابعة وأحيانا الثانية في تدريس هذه المواد، وعزوف المدرسين الأصلاء عن الدوام في مدارسنا البعيدة، إما بسبب المواصلات أو لظروف خاصة بهم، وأضافت أنه من الضروري التأسيس في المراحل التي تسبق الشهادتين الإعدادية والثانوية، ورفد المدارس بكوادر تدريسية متمكنة ومتمرسة قادرة على إيصال المعلومة بشكل يسير وسهل.
الطالب أمير ناعمة في الصف التاسع قال: لجأت للدروس الخصوصية في معظم المواد كي أتمكن من الحصول على علامات عالية في الامتحان النهائي، وخاصة أننا لم نتلق معلومات كافية في المراحل السابقة، لأن بعض المدرسين يدخلون الشعبة وهم في حالة ملل من الروتين الذي اعتادوا عليه، ويظنون أن ما يعرفونه من معلومات ينطبق على الطلاب، ولذلك لا يستفيضون بالشرح.
وقال الطالب معد سلمان: لا ألجأ للدروس الخصوصية، وذلك منذ صغري، على عكس إخوتي، لكوني أتابع ما أحصل عليه في المدرسة أولاً بأول، فالمتابعة المتواصلة تخفف ما يتراكم من مسائل وتمارين وأي استنتاجات، لأنني أحصل عليها بشكل مباشر نتيجة القراءة المتواصلة، والعمل على حل التمرينات التي نكلف بها كوظائف، وأحياناً أخرى أشكل تمارين ونماذج على شكل ما ورد في المنهاج، وأعزز خبرتي في البحث والتقصي، فضلاً عن ذلك لدي قراءة بعض الكتب الخارجة عن المنهاج لمدة ساعة يومياً على الأقل، وذلك في مختلف المجالات، حتى تتشكل لدي الخبرة الكافية.
وأوضح أن الطالب المتميز ليس بحاجة لهذه الدروس مهما كانت المرحلة الدراسية التي يدرس فيها، لأنه سوف يعتاد عليها وسوف يفكر دائماً بأن هناك من سيجد له حلاً لما يواجهه من صعوبات، وبالتالي سوف تضعف ثقته بنفسه، كما أنه سوف يتعلم الاتكالية.

منى السعدي قالت: بعض الطلاب لا يشعرون بمعاناة الأهل في تأمين تكاليف الدروس الخصوصية، وآخرون تدفعهم الغيرة، لأن زملاءهم يتلقون تلك الدروس، حيث تدور أحاديث فيما بينهم، ويشعر البعض ممن لا يحصل على جلسات خصوصية وكأنه أقل من غيره، فيلجأ للضغط على أهله مشعراً إياهم بالحاجة الماسة لذل ، حتى يستطيع مسايرة زملائه، والتحدث إليهم بأن أهله يهتمون فيه ، وينفقون عليه لقاء ذلك، في وقت لايعلم من أين يتدبر الأهل نفسهم لتأمين تلك التكاليف.
*مضاعفة أعباء الأهل
سليم التقي قال: ابني ضعيف المستوى، ولا يستوعب الدروس لذلك اضطررت رغم ظروفي الصعبة للاستعانة بمدرس خصوصي في بعض المواد أثناء الامتحان، ورغم ذلك لم يتحسن مستواه، ما أكد لي بأن الطالب الذي يريد التعلم والاكتساب يستطيع ذلك حتى لو كان بين خمسين طالباً، حيث يعود ذلك لشخصيته وإمكاناته، وجرأته في طرح الأسئلة والاستفسارات، وأضاف أن القدرات بين الطلاب تختلف من طالب لآخر وتتفاوت في الفهم والتلقي، فضلاً عن أن هذه الدروس تشكل أعباء إضافية على الأهالي ولا سيما في ظل الظروف المعيشية الصعبة.
من ناحيتها السيدة عبير فتح الله أشارت إلى أنه تختلف كفاءة المدرسين أيضاً فيما بينهم، وهو ما يدفع الأهل والطلاب للدروس الخصوصية، فهناك مدرسون قادرون على إيصال المنهاج وفق الطرق المعدة للتدريس، فبينما يلجأ بعض منهم لاحتكار بعض المعلومات حتى يدفع الطلاب لأخذ الدروس عنده أو في منازلهم، يقدم مدرس آخر كل مالديه من تلك المعلومات، وفوق ذلك يرجع لمصادر ومراجع كثيرة لإغناء درسه، وبالتالي لن يحتاج هذا الطالب أو ذاك لأي دروس إضافية.
علي السعيد قال أنا كولي أمر أقول: ليس بإمكان الأهالي جميعهم دفع التكاليف الخاصة بالدروس الخصوصية لأبنائهم وخاصة محدودي الدخل، ولهذا يجب على المدرس القدير أن ينتبه لتلك الناحية، وأن يشرح درسه دون أي تقصير ، وإعادته لمن لا يستوعب بسرعة بدلاً من أن يكون هدفه إعطاء الدروس، وخاصة أن هناك من الأهالي لديهم أكثر من طالب في المدرسة، وبالتالي لن يستطيعوا تغطية هذه التكاليف الكبيرة لجميع أبنائهم، عدا عن التوتر النفسي الذي يعيشه الأهل أثناء قدوم المدرس لإعطاء الدرس، وخاصة إذا لم يكن هناك في المنزل ليقوم على خدمتهما، أو ذهاب أولادهم إليه لتلقي تلك الدروس نتيجة غيابهم عن البيت.
من ناحيتها قالت سوزان جمعة إننا كأهالي نواجه مشكلة بفروق الأسعار بين مدرس وآخر، حيث أعلم عن مدرسين لايريدون تقاضي أجور عالية رفقاً بالطلاب ، ولكنهم يضطرون لذلك لأن بعض الأهالي عندما يجدون مدرساً غالي الأجر يحكمون بأنه متمكن من أداء عمله بينما منخفض الأجر لا يستطيع إيصال معلومته بالشكل الأمثل ، وهو ما ينعكس أيضاً على الطلاب أنفسهم ، ويلجؤون للمدرس عالي الأجر حتى لو لم يكن على المستوى المطلوب ، بالإضافة لنقطة أخرى أن بعض المدرسين يتقاضون أجوراً مرتفعة حسب المدرسة التي يداومون فيها إذا كانت خاصة ، أو حسب الوظيفة المسندة إليهم، كالموجهين الاختصاصيين مثلاً.
ولفت محسن دلول إلى ظاهرة غير صحية، وهي لجوء الطلاب إلى بعض المعلمين ممن لا علم لديهم بالنظام التعليمي العام، ويقومون بتدريس الطلاب وفق معايير الدروس الخصوصية، وتكون هنا الفائدة العلمية بسيطة إلا أنّ الضرر الأكبر يقع على الطالب الذي يذهب للامتحان دون أن تكون لديه دراية بطريقة أداء الامتحانات وينعكس عليه سلباً، أضف إلى ذلك أنّ الدروس الخصوصية تستنزف طاقة الأولاد وتستهلك أوقاتهم وتأخذ من صحتهم وتركيزهم كثيراً وتشتت انتباههم داخل الفصل في اليوم التالي للدراسة ، لأنه يكون قد أضاع وقته وبالتالي لم يخصص وقتاً للنوم والراحة ويبقى قليل التركيز داخل الحرم المدرسي.


*مدرسون: لكل قاعدة شواذ
من جانبه قال جاسم علي وهو مدرس: إن جميع المدارس توفر دروساً إثرائية بهدف إغناء معلومات الطلبة، وتحسين نتائج الاختبارات، إلا أن إصرار أولياء الأمور على الدروس الخصوصية هو ما يشجع ويدفع بمدرسي الدروس الخصوصية لاستغلال أولياء الأمور ، في ظل عدم وجود الرقابة على أداء المدرسين .
وأضاف أن الدروس الإثرائية يجب أن تجدول على ظروف الطلبة ، وبالرغم من ذلك إلا أنّ البعض لا يلتزم بها بالرغم من أنها مواكبة للمناهج ، ولما تشهده العملية التعليمية من تطوير، حيث إن على أولياء الأمور أن يكونوا على صلة بالمدرسة وبما تبذله المدرسة من جهود والهدف هو تحسين أداء أبنائهم ، فإذا تكاتفت كافة الأطراف سيتم سد باب الدروس الخصوصية ، ولن يكون هناك استغلال للأهالي خاصة في المواد العلمية.
بينما قال مسعود أحمد: إن الدروس الخصوصية ضرورية عندما يتغيب الطالب عن المدرسة ليفهم ما فاته من دروس ، كما أنها ضرورية للطلاب الذين يطمحون بتحسين مستواهم ولايريدون ضياعاً لأي علامة أثناء الامتحان ، ورغم ذلك ليس شرطاً أن يحققوا تلك الغاية، في وقت اعتاد الطالب دائماً أن يضع اللوم على المعلم في حالة رسوبه، لأن المعلم مهما قدم وبذل جهوداً من أجل فهم واستيعاب للدرس يكون مقصراً من وجهة نظر الطالب ، حيث هناك بعض الطلاب نجدهم شاردين أثناء الحصة ولا ينتبه مع المدرس، حتى أنه لايهتم بمتابعة الدرس ولا يحضر الحصص، بل يقضي وقته متسكعاً، وبعدها يلجأ للدروس لتعويض مافاته ، لكن لاشيء يعوض الحصة الدرسية .

من ناحيته قال سليم التعتوع إن الدروس الخصوصية أصبحت روتيناً بالنسبة للطالب يستفيد منها ، والمدرس على حد سواء ، حيث إن المعلم يستفيد مادياً والطالب علمياً ، ويلجأ الطالب للدروس الخصوصية والتقويات المنهجية نتيجة عدم فهمه لبعض المواد أثناء الحصة لكثرة عدد الطلاب في الصف ، وربما الفوضى نتيجة الأعداد الكبيرة ، عندها لايجد الطالب الذي يريد معدلاً جيداً بداً من اللجوء لتلك الدروس ، منوهاً بأن بعض الأساتذة يلجؤون للدروس للتعويض المادي بسبب انخفاض رواتبهم وصعوبة تأمين لقمة عيشهم ، بدلاً من القيام بأعمال أخرى بعيدة عن اختصاصهم .
*الدروس للمستوى الضعيف
وقالت الاختصاصية الاجتماعية نورا عباس : بعض الطلاب ضعيفي المستوى يلجؤون للاستعانة بالدروس من أجل تحسين مستواهم التعليمي ، حيث هناك بعض المواد يصعب فهمها مثل اللغات والرياضيات والفيزياء وغيرها من المواد العلمية ، أما المواد الأخرى ليس من الضرورة إعطاء دروس خصوصية فيها ، لكن الدروس الخصوصية مهمة لبعض الطلاب وتريحهم نفسياً لشعورهم بأن هناك من يقف بجانبهم أثناء الامتحان ، لكنها تشكل أعباءً إضافية على الأهل بالتأكيد كل حسب امكانياته .
وأضافت عباس بأن شخصيات بعض المدرسين داخل الصف ضعيفة ، ولايستطيعون بسهولة إيصال معلوماتهم للطلاب ، ما يدفع أولئك لأخذ الدروس الخصوصية التي تعوض الفاقد التعليمي لديهم ، لأن مهمة المدرس شد انتباه الطلاب أثناء الشرح والقراءة الجيدة واستعمال الطريقة المثالية التي ترّغب هؤلاء بالدروس ، وعلاج هذه الظاهرة عن طريق المدرس نفسه ، وعدم استغلاله الدرس الآخر إلا بعد التأكد من الدرس المشروح ، وقد تم إيصاله إلى الطلاب ، أما بخصوص تشجيع على هذه الظاهرة يرجع إلى المدرسين الذين هم داخل المدرسة ، من خلال الإخلاص في الشرح بحيث تمكن الطلاب من الوصول إلى الغاية المنشودة .
وأوضحت أن تلك الدروس أصبحت بمثابة عمل إضافي يأتي بدخل كبير لبعض الأشخاص وتجارة رابحة ، إذا صح التعبير ، ولاسيما أن ثقافة بعض أولياء الأمور المرتبطة بالدرجات وترتيب ابنه على مستوى المدرسة وحتى القطر يرتبط بتلك بالدرس الخاص ، فضلاً عن شعور المدرس بالحاجة ، حيث إنه غالباً ما يشعر بأنه يحتاج إلى تحسين دخله وهو ما يدفعه إلى إعطاء دروس خصوصية وإقناع الأهل بها .
وأضاف أن التوعية ضرورية لمخاطر الدروس الخصوصية ، والمسؤولية تقع على كاهل المجتمع والأسرة والمدرسة ، وعلى الجميع أن يؤدي دوره من أجل إصلاح الطلاب وعدم تشجيعهم على أخذها ، في حين أنّ الحصص المدرسية كفيلة بإنجاح الطالب ، إلى جانب تعليم الطلاب قيماً تربوية مثل الاعتماد على الذات وعدم الاتكالية والتركيز والإلمام بالعلوم والمعارف المختلفة ، واللجوء للمدرسة والمعلمين في حال وجد صعوبات في المقررات المدرسية.





 


طباعة