لغتنا الأم..ناقوس وطن في مآذن الأفئدة

3.jpg

الثورة أون لاين - غصون سليمان:
كيف نؤثر على أطفالنا سماعيا ليتذوقوا جمالية اللغة العربية الأم ، رسما وفنا وتعبيرا، وكيف لنا أن نحلق بخيالهم إلى أوسع مدى كي يهضموا لغتهم الأم المانحة لهويتنا وجذورنا.
لعل معظمنا كأجيال متعاقبة، يتذكر أساليب التعليم في المرحلة الابتدائية حين كانت ألحان حروف اللغة العربية "الثمانية والعشرين " تنهال على مسامعنا كأنها ترنيمة عزف تنطلق من فم المعلم والمعلمة، مايجعل نطقها السليم كمتعة تذوق العسل لبناء الصحة، ولونها كلون أزهار الربيع المتجددة.
مازال يتأرجح في ذاكرتنا كيف كنا نهاب محبة وتقديرا، طلة ذاك المعلم وتلك المعلمة في حصة اللغة العربية إن لم نكن على قدر كبير من الانضباط ونجيد كتابة مواضيع التعبير إلى جانب حفظ ابيات عديدة من الشعر، أما الإملاء فكان معيارها، خصوصية الخط الجميل أولا ومراعاة المسافة الأنيقة وعلامات الترقيم وكيف نضعها بين الكلمات .
كنا نتسابق لقراءة النصوص المطلوبة كل يوم، وبعضنا كان يجيد تسميع الدرس على" الغائب" كما يقال، مايجعل المنافسة على أشدها بين التلاميذ والطلبة .
فتمكين المرء من تعلم لغته الأم لم يكن أمرا سهلا وبنفس الوقت ليس صعبا لطالما تحتاج هذه اللغة الدافئة إلى شرايين دافقة من المحبة أولا والقدرة على الاتقان وصيغ إرسالها صوتا وكتابة على صفحات الدفاتر البيضاء ثانيا .
فللمعلم والمعلمة ،المدرس والمدرسة الدور الأكثر تأثيرا ، إيجابا أو سلبا على التعلق باللغة الأم وجعلها قافية اللسان وزبدة الخيال..
فلم يعد خافيا على أحد ذاك التأثير الجاذب والذي كنا ننعم به رغم قسوة الظروف وقت ذاك حين تنعقد جلسات العائلة حول مدفأة الحطب والموقد الشتائي، حيث كان يتبرع أحد أفراد الأسرة ممن لديه القدرة على القراءة الجيدة لتلاوة بعض السور من الذكر الحكيم لتقويم اللسان، وسرد أحداث لروايات وقصص السير الشعبية كالزير سالم،وتغريبةبني هلال،كليلة ودمنة ،قصة الف ليلة وليلة وغيرها من روايات نجيب محفوظ ،وقصص محمد كرد علي.
كتب عديدة مختلفة بأجناسها الأدبية قديمة وحديثةكنا نواظب عليها ونتبادلها بين بعضنا البعض أقرباء واصدقاء وزملاءدراسة ، إضافة إلى المبارزة بإلقاء القصائد وأبيات الشعر وحفظه نثرا وموزونا .
اللغة العربية الأم هي مصباح الفكر واللسان تغرس أدب الحب والتعاون في معين القيم والعادات والسلوك الجيد، غنية الصورة وعميقة البيان .هذه اللغة الأم لم تسلم من التشوهات التي حاول من خلالها المستعمرون إضفاء الصورة القاتمة عليها عبر حملاتهم الهادفة إلى إضعاف هوية وجذور الأمة عبر إضعاف لغتهم الأم، ولاسيما الاحتلال العثماني البغيض الذي انتهج سياسة التتريك لما يقارب ال٤٠٠ عام وهو يعود اليوم لنفس الفعل القبيح في ممارسة إحرامه وارهابه بحق الإنسان السوري ولغته الجميلة، مستغلا ظروف وتداعيات الحرب العدوانية على بلدنا والذي هو طرف أساسي بها، فبات يصدر بين الفينة والأخرى وكلما راقت شهية الحقد، فرمانا عدوانيا لمنع المعلمين والمدرسين السوريين في الشمال السوري وكل قرية ومنطقة تواجد فيها، من تعليم اللغة العربية وفق المنهاج الوطني للبلاد وخطف المعلمين والمعلمات وممارسة التضييق على الطلبة من التواصل مع مدارسهم ومعلميهم و إجبار الأهالي كي لايرسلوا أبناءهم إلى بوابات العلم والنور "المدارس"لأنها السلاح الأقوى في تقليص مساحة الجهل والخوف والظلم وارتكاب الجريمة .
هذه السياسة البغيضة للاحتلا ل التركي ودعمه المطلق للعصابات والمجموعات الإرهابية بتسمياتها المختلفة فاقت حدود الوصف حين تعمد كل يوم إلى اختراق جديد في جدار اللغة العربية الأم وليس آخرها الإعلان عن إنشاء جامعة لتتريك السوريين الرازحين تحت سيطرة القوى المجرمة سواء أكانوا من ضعاف النفوس ممن باعو بلدهم، أو ممن أبوا الانصياع لحلم الطغاة ورغبته فبقوا أوفياء لأرضهم وترابهم ولغتهم العربية الأصيلة الأم والتي يقارعون من خلالها عدو غاشم متعدد الوجوه لايفهم إلا لغة القوة .
لغتنا العربية، اللغة الأم كانت وستبقى مصانة في عقول وعيون وثقافة السوريين افرادا ومؤسسات ذاك النبع المتدفق والمنهل العذب الذي لاتضيق شرايينه أبدا، مهما كثرت عليه محاولات معاول الهدم ..
كل عام ولغتنا الجميلة آيات عشق في صدور المحبين الغيورين.


طباعة