على ضفاف مزيريب


قبل ثلاثة عقود ونيف من الزمن, يعود بي الزمن إلى تلك الرحلة التي قادتنا إلى بصرى الشام ومدرجها الأسطوري، ومن ثم إلى بحيرة مزيريب, ونادي جلين وغيرها من الأماكن الساحرة, وتمضي الأيام تأخذنا الدنيا يمينا وشمالاً إلى أصقاع شتى, كل ّ منا في حال سبيله, أتوق للعودة إلى تلك البقعة من المكان والزمان, وتسنح مناسبة حزينة بذلك, يوم الخميس من عام 2011م نمضي إلى درعا لأداء واجب ما, وفي طريق العودة يلح أحد الزملاء على أن يكون الجميع ضيوفه على ضفاف البحيرة الأنقى (مزيريب) نمضي إلى المكان, الجميع يتحلق حول طاولة كبيرة, المكان خلاب وساحر, لحظات جمالية, لم نكن ندري ماذا يخبئ غدها.
أكثر من ثلاثين من الزملاء, حديث وآراء,تتباين , تتطابق لكنها تصب كلها بمحور واحد العمل, ساعات تمضي نلملم ما تبقى من عزيمة بعد هذه الاستراحة, ونعود إلى دمشق, أحد الزملاء في الطريق يقف عند محال صناعة الراحة الحورانية, يزود الجميع بها كهدايا من مدينته, نصل إلى دمشق ليلاً, وفي البال تلك الجلسة, وعلى وعد من الجميع أننا عائدون بزيارة إليها مع فصل الصيف.
صباح اليوم التالي, وكان يوم جمعة, نشد الرحال إلى حمص, بزيارة أحد الأقرباء, مساء تتوارد الأخبار, من درعا ومن حمص, فتنة تشتعل وقودها إعلام حاقد, مضيفنا يقول: الأمر مخيف ومزعج, ثمة ما يحاك لنا, نظرت إليه معاتباً, لا, الأمر ليس إلا زوبعة بفنجان, غيمة سوداء عابرة سوف تلقي أثقالها وتمضي, يطرق قليلاً ويردف قائلاً: أتمنى ذلك, كثيرون يتربصون بنا شراً وببلدنا بوطننا بلحمتنا الوطنية, أنتهزها فرصة لأروي له وقائع الأمس على ضفاف بحيرة المزيريب, وأخبره أننا عائدون إليها صيفاً بنزهة جماعية يرد (عيّن خيراً).
يسري القلق بكل ما بي من شعور وحدس, نعود من حمص مسرعين, وسؤال يلح ببالي يؤرقني, يقلقني, أبحث عن إجابة له: لماذا كان مضيفناً متشائماً, لمَ تكلم هكذا؟ ما الذي يعرفه؟ ولايريد أن يبوح به, كيف قرأ الحالة, وعلامَ استند, هل ثمة صدع كان يظهر ولم يتنبه إليه من يهمه الأمر, بل كيف يجرؤ على أن يكون سوداوياً إلى هذا الحد, تمضي الأسئلة, تبقى أياماً وأياماً, وها قد مضى عليها ثماني سنوات، وتلج سنتها الثامنة ومازال الجرح فاغراً, صار أكبر من بحيرة ومن وطن, ومن كون, كيف كنا نياماً بالعسل, أي شر كان يعد لنا, أي طيبة تلك التي جعلتنا نفتح قلوبنا وبيوتنا, وكل ما عندنا للآخر؟
لماذا أعطيناه رغيف خبزنا وماءنا وأرضنا, وجاء مستلاً وراء ظهره خنجر غدر, أي كارثة تلك التي تجعلنا نمد غصن الزيتون للقادم, وهو يحمل منشاره؟
بعد ثمان من الموت والدمار, بعد أن تكسرت النصال على النصال, والمشهد واضح جلي بيّن, مازال بيننا من يبيع أرضه وعرضه, يومه وغده ويتاجر بدماء من ارتقى ومضى, ثمانٍ من الألم القاهر, وعلى عتبات التاسع من المحن أما حان لك أيها البائع وطنك أن تعود، وأن تعرف أن الوطن انتصر بصبره, بشهدائه, بجيشه, بقائده, بعنفوان كل سوري, أما حان لك أن تقرأ أن لعنة التاريخ ستبقى تلاحقك؟
ثمان من العجاف, وما زالت مزيريب حاضرة بقوة, تمتد بكل خفقة من دمي, وتعود بي إلى أول زيارة لها, لن تمحى من الذاكرة كأسطورة جمال, وتحيا بلادي كل بلادي, تنهض عنقاء بهية.
معاً على الطريق
ديب علي حسن