وسادة أبي ...

في حالك الضنك الذي نعبره قبل الخلاص القريب قد يسأل أحد ما.. وما شأننا بوسادة أبيك..؟ اكتب عن رغيف خبزنا عن غصة في ثنايا العقل والقلب وعن شرايين تكاد تجف كما الضرع ..

حق من يقول ذلك ولا يعرف أن هذا الذي نعيشه على قسوته ومرارته ليس الفقر المدقع الأسود.. بل لا يعادل إلا قليلاً قليلاً مما عاشه الآباء والأجداد في الكثير من مناطق سورية..
هل تشهيت يوماً ما أن يكون لديك (طنجرة) في بيتك لتطبخ لأبنائك حين توافرت لك بعض مقومات الطبخ..؟
هل غذذت السير مشياً إلى لبنان لتعمل بقوة ساعديك وتجمع ثمن (الطنجرة) أو غيرها..؟
هل كان عليك أن تتوجه عبر جبل الأقرع وتتسلق صخوره لتصل إلى أقرباء لك..؟
هل كنت تنظر إلى رغيف الخبز وكأنه نجم قطف من السماء..؟
هذا بعض البعض من الجزء.
لكنه لم يحل دون أن تصنع من الصخر وطناً للخضرة من أن تبدأ رحلة العمل في أرضك وبيتك وتكون الرسالة أن لا خلاص إلا بالزراعة والإنتاج.. تنقلب المعادلة، ورويداً يكبر الشجر والأمل.. تحصد القمح وتقطف الزيتون والتفاح وتجفف التين والتبغ وتتسع مساحة الظل تحت شجرات التوت الشاهد الأبدي على أن معجزة الاكتفاء من كل شيء كانت على الرغم من ندرة كل شيء..
هنا في المساحات التي لا تكاد تصل مئات الأمتار تعرف أن بركة السماء في كل حين تراب ومع كل شجرة.. تعرف كيف تتحول شجرة العرمط إلى نوع آخر من الأشجار..
كيف تغدو الدالية رفيقة شجرة البلوط، السنديان؟ أو كيف تحنو على صخرات صارت جداراً استنادياً..؟
ترى أباك يعالج حجراً كبيراً مغروساً في التربة لا يفتته بالمهدة والإزميل لأنه يراه حجراً جميلاً يضفي مزيداً من القوة والأبهة حيث يتكئ.
تكبر ويكبر كل شيء في المكان.. الدروب التي لم تكن حتى وحوش الغابات بقادرة على ولوجها ترتسم كل يوم تزداد الخطوات اتساعاً ويصبح الممر الوعر زاروباً يجب عليك ومن معك من الحيوانات الأليفة عبوره ليكون في نهاية المطاف درباً تعبّده أقدام تركت أشلاء منها على ترابه.. وقبل أن يلتفت إليك أحد ممن يجب أن يكونوا لخدمة الوطن..
البستان الذي يمتد يتسع لكل من يتشهى منه ثمراً.. كم سمعت أبي يقول: القطفة الأولى من الخوخ لبيت... وبعدد الأدوار.. وكم سررنا بما كان الجيران يرسلونه أيضاً.. لم يكن في اتساع الفقر الأسود ما يحرم جارك, مما لديك أو لديه حتى ولو كنتم على خصام...
تمضي الأيام ونعرف أن ثمة دروباً معبدة بالدمع والدم هي التي أبقتنا على قيد الأمل والحياة, لاشيء إلا أن تكون مخلصاً لآمالك, تعرف كيف تكون ورداً وبلسماً حين يغدو غيرك علقماً, اليوم وقد صار الكثيرون أمرّ من الحنظل, تفتح دفاتر الحياة لعل أحداً ما يقرأ يتعظ يعمل, يتذكر أن الحياة ليست تكديس مال إلى ما لانهاية, تسأل نفسك بكل براءة: ماذا يفعلون بكل هذه الثروات؟ وما مصيرها؟ ألا يكفيهم ما هم عليه؟ كيف ينامون وهم يعرفون أن ما في خزائنهم سحت؟.
تعود إلى بستان أبيك, لتتذكر أنه كان يضع في كل (حاكورة) تحت الشجرة وسادة من حرير, يغفو حين يهده التعب, يسرح في الأفق القادم, وحين تأتي نسيمات البرود يرفع رأساً شامخاً عن تلك الوسادة التي هي حجر اختاره بعناية, ويقول لي: حين تخلص بعملك, وسادتك هي الحرير, طعامك هو الأشهى والأنقى, وغدك الأبهى..
هل انتهى عصر وسائد الحرير؟ لا, لم ولن ينتهي, سيبقى ندياً بهياً, صحيح أنه ربما قل وندر, لكنه في دم كل شهيد, ولثغة كل طفل وعطر كل زهرة, مع مطر قادم, معطر بدماء من ارتقوا, أريد وسادة أبي, فمن يعيدها لي؟.

معاً على الطريق - بقلم أمين التحرير ديب علي حسن 


طباعة