قميصنا واحد..

ذات يوم من الطفولة التي عرفت معنى التراب والأرض والوطن وكان اللعب نبضها، نِلتُ عقوبة قاسية من أخي جزاء إهمالي القراءة الصيفية، حدث الأمر تحت شجرة التين التي كانت تجمع أبي وأقرانه كل يوم..
أبو اسكندر رحمه الله قاطع الجلسة مدة يومين أو ثلاثة بعد ما نلته.. شعرت أن قلقاً انتاب أبي.. سألته.. لماذا تجلسون كل يوم..؟
بابتسامة يعلوه شيء من العتب... يا بني: معاً مشينا إلى لبنان سيراً على الأقدام، ومعاً حاصرنا الفقر والجوع.. معاً كنا نحترق تحت شمس حزيران ونحن نحصد في (طار العلا) بأقل من ربع ليرة..
معاً كانت الأرض القاحلة على موعد مع الحفر والعمل... ومضى يسرد ما في الجعبة من رفقة عمر..
فاض ذلك ملء القلب حين رأيت الزميل ياسر حمزة ينوء ثقل همومه.. معاً كانت دروب السهر هنا في الطابق السابع لا يمكن لك أن تمشي خطوات معدودة إلا ويطالعك بلباقته المعهودة.. مع زملاء كثيرين كنا تقاسمنا بقايا خبز ويوم اشتد جنون بقر من يسمون أنفسهم (ثواراً) كان بلاط الأرض فراشاً لمن بقي في العمل وما أكثرهم وأعزهم..
أمس كانت البسمة التي اعتدناها تفارق محياه... مع أنها لم تفارقه في أحلك الأيام...
لكنه الخوف على الابن.. كيف ترى ابنك يذوب ويذوي أمامك وأنت غير قادر على فعل أي شيء.. تبحث عن الدواء ويأتيك الجواب... مقطوع.. تحتاجه لأجل عضو نبيل غرس في جسد ابنك.. وغيره آلاف من السوريين..
ادفع مئات الآلاف يأتيك الدواء تهريباً.. وكان قبل فترة من الزمن شبه مجاني.. مع فورة البقر ومن يدعون أنهم إنسانيون تغير كل شيء..
ليست الحالة فردية ولا تعني أحداً منا دون الآخر..الجرح.. واحد الحزن رفيقنا مهما كابرنا.. امتد الجرح من قلب إلى قلب والنزف من شريان لشريان من وريدك لوريدي لوريدهم لوريدنا لكل خفقة قلب..
ومن يظن أن الخلاص فردي لهو أكثر الناس حمقاً.. قد يحفر الجرح مجرى عميقاً، بجسدي قبل جسدك أو العكس، لكن أحدنا لن ينجو منه ..
في هذا الوطن الذي أنكره الكثيرون وافتداه أيضاً كثيرون... قلت لي رداً على مقولة... قميصنا واحد.. نعم وبغض النظر عما يحمل المعنى من تأويلات لسنا بها.. نعم دربنا قميصنا ترابنا وطننا.. وكل فقير للفقير نسيب..
صدق أبو ريشة حين قال: لمّت الآلام منا شملنا ... ونمّت ما بيننا من نسب..
كل خفقة ألم في هذا الجسد السوري هي وجعنا ومزقة من قلوبنا... لابد أن فجراً من الدم الطاهر الزكي ينسج خيوط الفجر إلى قميص من نور.. ننتمي جميعاً.. لا إلى أدران مال سحت فهؤلاء المنتمون له ليسوا من طينة البشر.

معاً على الطريق..-ديب علي حسن


طباعة