النعم المهدورة



كل ما في هذا الكون ثمين وجميل، أثمنه وأغلاه على الإطلاق هو الإنسان، هذا ما قاله ذات يوم الأديب المهجري ميخائيل نعيمة الذي كان المهجر ملاذه كما غيره من المبدعين العرب الذين شقوا عباب البحر فارين من الظلم والبطش الذي مارسه الاحتلال العثماني، أدى إلى موجات نزوح وهجرة إلى المغترب بحثاً عن لقمة العيش هناك، وما أمرَّها من لقمة مغمسة بالتعب والعناء، نعيد اليوم بعضاً من تلك اللمحات التي كانت ومازال الكثير منها يمر بنا، لكننا لم ولن نصل إلى حد البحث عن لقمة الخبز والعيش، على الرغم من القسوة، وشظف ما نراه.
أمس بالقرب من بيتنا شاب في مقتبل العمر يحمل كيساً على كتفه اقترب مني وسألني: هل لديكم خبز يابس للبيع؟
خبز يابس؟ أي، خبز يابس، لا أكيد ليس لدينا وبدأ حواراً أراد منه أن يقنعني أن الخبز اليابس يجب أن يباع، وكثيرون يبيعونه قلت له: ببساطة (ياعمو) لن يكون لدينا نحن في البيت مثل هذا الخبز، لأننا عشنا سنوات الحرمان، ونعرف قيمة رغيف الخبز، نعرف معنى أن تبحث عن كسرة خبز فلا تجدها.. مضى في حال سبيله وهو ينظر إلي بطرف عينه وكأنه يقول: هل تبيعنا وطنيات؟
لا لن أبيعك مثل هذا، فالأمر أبسط بكثير، في الحياة الحلو والمر، السهل والصعب، ولكن ليس فيها المستحيل، اليوم نعبر ضائقة ولكننا لا نعبر إلى العسر أبداً، قليل من الوعي والانتباه وحسن الإدارة يصل بنا إلى برِّ الأمان، يعبر بنا إلى متسع من تلبية الاحتياجات، قد لا تكتمل لكنها لن تنقص كثيراً، بل ربما نكتفي بها، إذا ما أحسنا التصرف والعمل ترى صنوبر المياه مفتوحاً في الأماكن العامة، ثمة من يغسل سيارته في الشارع يهدر كميات كبيرة من الماء بلا حسيب ولا رقيب.
ربما يسأل أحد ما: هل الهدر ظاهرة عامة، هذه الأيام؟ ربما الإجابة: نعم ولا ثمة من يراعي النعمة ما استطاع ويتدبر أمره بحيث لا يصل إلى مرحلة السؤال، وعلى المقلب الآخر نعم هناك من يهدر ويبالغ في الهدر تماماً ينفق ويسرف من غير حساب، وهذا البطر بذاته، في زمن الحاجة والفاقة.
اليوم ونحن نعبر إلى ضفة أخرى، نثق أنها الأفضل والأجمل، وسنوات المخاض لن تطول، كم هو جميل أن نصون النعمة، ونفعّل ما لدينا من طاقات كامنة في الأسرة والمدرسة والعمل وكل مكان. ما أكثر نعمنا المهدورة وإن كانت صغيرة لكنها في المحصلة تعني فاقداً كبيراً نحن بأمس الحاجة إليه.بقلم أمين التحرير- ديب علي حسن

معا على الطريق -بقلم أمين التحرير  ديب علي حسن


طباعة