طفح أزرق..

كلنا شعراء وروائيون ومنظرون نفقه بكل شيء من الأدب إلى السياسة والطب.. فقط نحتاج منبراً للحديث عما نحن موهوبون به... قديماً كان هذا المنبر جلسات النميمة والوشاية التي تعقد تحت شجرة توت أو تين أو جلسة شاي وقهوة في القرى..
لا أحد ينجو من الغربلة والنتف والبحث في تاريخ عائلته حتى آدم إن كان ذلك ممكناً.. وحده من يكون حاضراً الوشاية ينجو لأنه شريك الفعل ولا يغادر المكان إلا مع الجماعة لئلا يكون تحت مبرد اللسان..
أما في المدينة فمكانها المقاهي من الأصناف كلها.. الشعبية.. وتلك التي يؤمها الكتاب والشعراء ووو ..
اليوم ومع هذا الفضاء الأزرق تغيرت مهام المقاهي وجلسات القيلولة في القرى وصار الفضاء الأزرق المجال الرحب والواسع والفضاء الخصب لكل شيء.
من قراءة الطالع إلى إحصاء حتى همسات الليل والعشاق.. الأمر غاية في البساطة.. صفحة على مواقع التواصل ولا يهم أن يكون صاحبها وهمياً، ما إن تنشر أي شيء مهما كان مريباً وموغلاً بالكذب حتى يعمل النساخ واللاصقون..
طفح يغطي فضاء مواقع التواصل الاجتماعي وثمة من يعمل على استثماره والمتاجرة به مع الجميع وضد الجميع، وفي مثل هذه الظروف التي نمر بها ثمة متربصون كثر والواقع الاجتماعي مهيأ لمثل هذا الحريق في هشيمنا الاجتماعي..
من هنا تبدو خطورة غياب الإعلام التحليلي ولا نعني به ثرثرة الكثيرين ممن يدّعون أنهم محللون.. إنما علماء التربية والاجتماع والثقافة والإعلام ممن يمكن أن يقدموا شيئاً حقيقياً.. وأيضا تبدو أهمية الإعلام الورقي الذي يغيب قسراً بسبب ظروف طارئة عبرت وانتهت وعاد كل شيء إلا هو...
الورق وثيقة على كل شيء ولكل شيء.. في هذا الجو المشحون بكل مخصبات التلوث أهمية بناء الوعي المعرفي والاجتماعي هي المهمة الأساس للجميع.. وربما لا أبالغ إذا ما قلت إن قانون الجرائم الإلكترونية شكل رادعاً واحداً للكثير مما كان يمكن أن يكون من تنابذ واتهامات لا أحد يدري إلى أين تصل بنا.. وهذا لا يقلل من أهمية كون وسائل التواصل الاجتماعي شكلت متنفساً كبيراً للناس..
أمراض اجتماعية خطرة جداً تجعلنا نردد ما قلنا أكثر من مرة من أن مخترع المسدس قال: الآن تساوى الفارس البطل مع الجبان! ولعلنا ننقل ذلك إلى فضاء الإنترنت لنقول في مشتقات مواقع التواصل.. تساوى من يفك الحرف مع من يحمل أعلى الألقاب العلمية..
ولن يكون خروجنا آمناً من مستنقع الطفح الأزرق إلا بالعودة إلى إعمال العقل، وأول خطوات ذلك بناء ثقافة العمل والنقد ومعرفة حدود الذاتي من العام، والوصول إلى ميثاق اجتماعي خالٍ من رواسب وعقد الذين يظنون أنهم أوصياء على كل شيء..
اليوم طغى ما كان مستتراً وظهرت أعراضه، وعلينا الدواء وهذا ليس بالأمر ليس بالصعب أبداً، يحتاج فقط إرادة العمل..

معا على الطريق.. ديب علي حسن..


طباعة