بين المؤوفة والألوكة...

 

الكلمة الطيبة صدقة واللغة تحيي وتميت ولكنها أيضاً هي تموت وتندثر وتبدل جلدتها، وفي مقارنة خصب اللغة بخصب النمو الجسدي ربما نقع على تشابه كبير.. فالشباب النضر يشعّ حيويةً وبهاءً وقدرةً على الأخذ والعطاء ولكنه في مدار الحياة، وكون الأشياء مقمطة بنواميسها لا بدّ أن يصل مرحلة الذبول إن لم يخطفه الموت في ريعان الشباب..

اليوم أكثر من أي وقت مضى يبدو وجه الشبه بين اللغة والإنسان لغة المعاجم التي باتت الكثير من مفرداتها خارج الاستعمال لأن الزمن تجاوزها لكنها تظلّ حبيسة المعاجم والمنازل التي نعود إليها إذا كانت في رصيد التداول..

وخلايا الجسد التي تصل حدّ الإرهاق في نهاية المطاف تدخل عمليات التجميل استعارةً وترقيعاً.. شداً وشفطاً.. وكان القاسم المشترك بين اللغة والجسد ما قاله الشاعر العربي القديم ..

تدسّ إلى العطار سلعة أهلها.. وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر..

قد يسأل أحد ما: وما مناسبة هذه المقارنة ولماذا المؤوفة والألوكة..؟

حقيقة ثمة مناسبة لا تعني الجميع، لكن قرأت أن أحدهم استغرق حياته في متون المعاجم، وحين اقتضى الأمر أن يكون ابن الحياة ويقرر أمراً ما بعد أن صار مقرباً.. كتب عن جسد ليس سليماً تماماً لكنه ليس أسوأ من أجساد دخلت عيادتهم الشاملة موقعة بالأخضر أو بهمس وصارت بقوة الدفع الخفي واقعاً..

كتب هذا الرجل الطيب عن ذلك الجسد ملاحظة طبية احتاج أمر تفسير بعض مفرداتها إلى معجم.. مؤوفة بأدواء وبعد البحث في لسان العرب تبين أن المؤوفة من الآفة، والآفة بغض النظر عن معناها ودلالتها كانت مفردة تحمل معها رسالة طبيب تقول لمن جاء إليه ليشخص الداء.. أنت مصاب بمرض عضال اذهب وواجه قدرك..

وختم مدير المشفى بتوقيعه وانتهى الأمر عند مؤوفة لتبدأ رحلة الأسئلة..

لماذا هنا مؤوفة وهناك أورام استطالت وبحث لها عن أدواء.. على لغة الطبيب.

ولماذا تبقى عيادات المعجم عند حروف الجر والماضي والمضارع ولا ترى واقع اللغة اليوم وحالها، لا تبحث في العلل والمؤوفات التي أرهقتها اليوم ويكون العمل على علاجها..؟

وكيف لنا أن نسأل: ما فائدة أن نتحدث عن أهم مشروع لحماية اللغة العربية في القرن الحادي والعشرين تم تقديمه من هنا ولكن للأسف.. وكيف وكيف..

المؤوفة هذه على ما يبدو أن هناك واقعاً حقيقياً في اللغة والحياة والعلاقات والشخصنة وغير ذلك كثير..

لكنها (المؤوفة) بدأت تنسل بعيدة من الأثر الذي تركته على الرغم من فعلها.. انسلت حين كان يقرأ أحدهم رواية جميلة عن الأكوان المتوازية وجاء ت مفردة الألوكة ضمن سياق عادي لتفسر الكاتبة معناها بأنها الرسالة ولتبحث في جذور المفردة أهي عربية أم..

ولكن الرواية تنتهي بجملة مبهرة عن شاب من تدمر يلتحق بالجيش لينافح عن الوطن وينال شرف الشهادة (هوى نجم فارتقى)..

عبارة تختزل المشهد كله.. هوى على أرض الوطن ليبقى الوطن ويرتقي نجم ليصبح نجماً..

هذه لغة الحياة لغة لم تبق حبيسة المؤوفة ولا الألوكة.. هي من ألوان الحياة كلها ستبقى غضة بهية.. لا متون المعاجم ولا شيء يعيدها إلى ماض كان وقتها نابضاً بالحياة، لكن عطاري هذا الزمن لن ينفعوها بشيء ولو وقعوا بكلّ ألوان الحبر من الأخضر إلى كلمات في مهب الريح لأنها كانت جذوراً هشة.

معاً على الطريق ... ديب علي حسن

 


طباعة