كيف وصل القطاع المصرفي السوداني إلى حافة الهاوية؟

ثورة أون لاين:

مرابحات مليارية بضمانات بالكاد تكفي 5 في المئة من قيمة المرابحة، تلاعبات كبيرة في أسواق الصرف وتمويلات التجارة الخارجية وواردات الدواء وأرباح طائلة على مدار الساعة، قروض بملايين الدولارات لشركات وأفراد دون أي ضوابط، أسهم بنوك تباع على الورق لأفراد يتحولون من اللا شيء إلى قائمة المليارديرات في دقائق معدودة.

 هكذا تلاعبت مافيا البنوك بالقطاع المصرفي السوداني خلال الأعوام الماضية وأوصلته إلى الهاوية الأمر الذي أصاب مجمل الاقتصاد الكلي بداء الفساد ووضع السودان ضمن أعلى ثلاث بلدان فسادا في العالم بحسب مؤشر منظمة الشفافية العالمية.

وتشكلت مافيا البنوك من مجموعة من المتنفذين ورغم أن عددهم لا يتجاوز العشرة إلا أنهم كانوا يستندون إلى شبكات تضم المئات من منسوبي النظام.

وبسبب فساد "مافيا المؤتمر الوطني" والآثار السالبة للعقوبات الناجمة عن إدراج السودان في قائمة الإرهاب، انتشرت ظاهرة أنشطة الظل المصرفية التي حولت البنوك من أداة لدعم الاقتصاد إلى عبء أصاب الاقتصاد الكلي في مقتل.

وفقدت البنوك السودانية خلال الأعوام ال 24 الماضية مداخيل تقدر بنحو 12 مليار دولار كان يمكن تحصيلها من المعاملات الخارجية وتحويلات المغتربين وغيرها من الأوعية التي توقفت بسبب العقوبات.

ووصف خبراء مصرفيون حجم الدمار الذي ألحقه الفساد بالقطاع المصرفي بالكبير، وقالوا إن نجاح أي خطط لتصحيح مسار الاقتصاد الكلي مربوط بإعادة هيكلة القطاع المصرفي، مشترطين لذلك ضرورة تصفية بؤر الفساد والقضاء على مافيا البنوك ومحاكمة كافة المتورطين في الأنشطة المصرفية المشبوهة بما في ذلك الذين جرت معهم تسويات في عهد النظام السابق.

وأشاروا إلى أن المبالغ التي دفعت مقابل تلك التسويات لا تساوي حجم الجرم الذي ارتكب في أموال المودعين والمال العام.

وأكد الخبراء أن القضاء على الفساد في القطاع المصرفي يتطلب منح البنك المركزي استقلالية كاملة وتفعيل دوره الرقابي، وتشجيع الاندماج بين الكيانات المصرفية الصغيرة بعد مراجعة سجلاتها وفقا لأسس تضعها سلطة سوق الخرطوم للأوراق المالية بعد إعادة تنظيمها وهيكلتها.

 

يشير أستاذ علوم المحاسبة والتمويل المصرفي في الجامعات السودانية، جار النبي أحمد، إلى أن هناك العديد من النماذج التي تعكس حجم فساد بعض منسوبي النظام البائد مثل (ف.م.خ) الذي تخصص في شراء السندات الحكومية من بعض الشركات ويرهنها للبنك بعد تخفيض قيمتها ويقوم بأخذ المبالغ نقدا ويستخدمها في شراء العقارات المرهونة للبنك بأسعار بخسة حيث تقدر المبالغ التي أخذها من البنك بنحو 200 مليار جنيه.

وفي الواقع كانت قصة الرحل من بين أشهر قضايا فساد القطاع المصرفي التي أثارت اهتمام الرأي العام السوداني خلال الأشهر القليلة الماضية.

والشيء المثير للاهتمام هو أن الرجل بدأ حياته سائقا وبفضل علاقاته القوية داخل تنظيم الإخوان استطاع أن يتسلق قطار الثراء حتى وصل محطته الأخيرة بعد أن أصبح الرجل الثاني في أكبر المصارف السودانية.

وخلال سنوات قليلة نسج الرجل حوله شبكة من أصحاب المصالح من "هوامير" الصفقات السريعة والمصرفيين ونشط في مجال المرابحات الصورية وشراء الرهونات المميزة ليتورط في مخالفة قوانين الثراء الحرام وغسيل الأموال والنقد الأجنبي، وعندما بدأ الرأي العام يتناول فضائحه علنا قدم لمحاكمات صورية انتهت بتسوية دفع بموجبها بضعة عشرات الملايين من الدولارات مقابل إطلاق سراحه. لكن بالنسبة لأحمد فإن الضرر البالغ الذي ألحقته مثل هذه المخالفات بالاقتصاد الوطني تتطلب ضرورة إجراء محاكمات جنائية حازمة تناسب حجم الجرم الذي لحق بالمال العام خصوصا في ظل الأوضاع الجديدة التي يعيشها السودان حاليا.

أغرب عملية بيع

في منتصف 2014 صدم السودانيون بتقارير تحدثت عن شراء شركة تابعة لأحد نافذي النظام السابق لحصة الأغلبية في بنك الثروة الحيوانية الذي يعتبر الوحيد من نوعه في العالم العربي والذي كانت الحكومة السودانية تمتلك حينها أكثر من 90 في المئة من أسهمه. وكان مصدر الصدمة هو الثمن الزهيد الذي بيعت به حصة البنك والتي تشكل أقل من 25 في المئة من القيمة الحقيقية للحصة.

وطالت الاتهامات رئيس مجلس إدارة البنك حينها وهو شخصية معروفة في الوسط الرياضي ويعتقد أنه كان لعدة سنوات يدير استثمارات حزب المؤتمر الوطني المحلول الذي كان يحكم البلاد في ذلك الوقت.

ويعزو الخبير المصرفي حسن عبداللطيف اتساع رقعة الفساد في القطاع المصرفي السوداني خلال السنوات الماضية إلى سياسة التمكين التي أفرغت القطاع من محتواه وأزيح بموجبها العديد من المديرين والموظفين الأكفاء مما فتح الباب واسعا أمام تدخل متنفذين من خارج القطاع وظهرت بالتالي العديد من عمليات الفساد التي أثرت على الأداء وأرهقت الاقتصاد الوطني.

ويشير عبداللطيف إلى ضرورة تفعيل الرقابة على المصارف ووضع ضوابط تمنع البنوك من التلاعب بأموال الودائع أو رأس المال.

وفي ذات السياق يقول استاذ الاقتصاد أحمد الجاك إن الجهاز المصرفي برمته تحول إلى مجرد آلية للفساد والإفساد بدلا من لعب دوره الأساسي المتمثل في توفير رؤوس الاموال للمستثمرين والمنتجين والشرائح الأخرى.

ويرى الجاك أن عصابات النظام البائد عملت على استغلال الجهاز المصرفي في عمليات غسيل أموال، وحولت البنك المركزي إلى بنك تجاري ومخزن للأموال بدلا من لعب أدواره الرقابية.

المشاكل والحلول

يلخص الأكاديمي والخبير المصرفي، أبوبكر كرم الله، أبرز مشكلات القطاع المصرفي السوداني في قصور وعدم استقرار السياسات الكلية والتي انعكست آثارها على الاوضاع المالية للمصارف والمتمثلة في معدلات التضخم العالية وعدم استقرار سعر الصرف، إضافة إلى اتباع النظام البائد سياسات أثرت على اوضاع الحساب الخارجي للدولة وانعكست آثارها السالبة على أداء النظام المصرفي.

ويقول كرم الله إن سياسات النظام البائد التمويلية كانت تفرض على الجهاز المصرفي القيام بتمويل اولويات محددة مما أدى إلى تراكم الديون المتعثرة وبالتالي تعرض أصول المصارف إلى مخاطر جسيمة كما أدى إلى تدهور أرباحها واهتزاز أوضاعها المالية بشكل عام.

ويشير كرم الله كذلك إلى بعض عناصر الضعف الذاتي للقطاع المصرفي، ويقول إن صغر حجم المصارف لا يؤهلها للتعامل مع المصارف الخارجية او مقابلة حاجة الاقتصاد الوطني الحقيقية، إضافة إلى ضعف القدرة المهنية للكوادر الفنية وافتقار مجالس الإدارات إلى الكفاءة المطلوبة لتحقيق الرقابة الداخلية للمصارف.

ويرى كرم الله أن الخروج من الأزمة الحالية يتطلب ضرورة هيكلة الجهاز المصرفي ورفع الحد الأدنى لرأس المال، وتفعيل الضبط المؤسسي والحوكمة للنظام المصرفي وكانت هي المشكلة الأساسية في العهد البائد الأمر الذي أدي الى تفشي الفساد.

ويتفق أحمد جار النبي مع ما ذهب إليه كرم الله ويشير إلى ضرورة تحديث القوانين والتشريعات التي تنظم العمل المصرفي لتواكب المستجدات العالمية، إضافة إلى تفعيل المحاسبة.


طباعة