تاريخ البشرية يبدأ من معلولا

ثورة اون لاين :

تقع بلدة معلولا على السفوح الشرقية لسلسلة جبال لبنان الشرقية، عند الجبل الذي يحمل اسمها، وتبعد حوالي 50كم إلى الشمال ـ الغربي من دمشق. وتتميز بآثارها القديمة وكنائسها وأديرتها التي تعود في تاريخها إلى مطلع القرون الميلادية وترتبط بأسماء عدد من القديسين المشهورين في الشرق.

يصل ارتفاع هذا الموقع إلى 1720م فوق مستوى سطح البحر,ويعتبر مناخ معلولا كمناخ جميع المناطق المرتفعة في بلاد الشام , فالشتاء بارد جداً و غالباً مثلج و الصيف معتدل. 

 

تستمد معلولا شهرتها اليوم من ثلاث خصائص هي موقعها ومظهرها، الكنائس والأديرة التاريخية الموجودة فيها، واللهجة الآرامية المحكية من قبل سكانها.

فموقعها في مدخل وادٍ عميق تتسلق المدينة جانبيه المنحدرين انحداراً شديداً، والذي يضيق في نهاية المدينة ليتحول إلى شق عميق وضيق يقطع صخور الجبل لينفذ إلى الجهة الثانية منه بعد حوالي 500م. وبسبب الانحدار الشديد لجانبي الوادي الذي تقع فيه معلولا فقد نحتت بيوتها في الصخر صعوداً مع السفوح بحيث تبدو هذه البيوت متراكبة فوق بعضها. ويتراوح عرض البيت الواحد ما بين 5 و8م وتغور في الصخر إلى عمق يتراوح ما بين 3 و4م.

 

تضم معلولا عدداً كبيراً من الكنائس والأديرة والمزارات والمصليّات. ومعظمها يعود إلى القرون الميلادية الأولى. ولايزال عدد من هذه المنشآت الدينية قائماً في حين تعرض بعضها إلى الخراب بمرور الزمان. وقد أحصيت فيها اثنتا عشر كنيسة من أهمها كنيسة القديس ليونتيوس (St. Leontius)، التي وجدت فيها فسيفساء يعود تاريخها إلى القرن الرابع الميلادي، وكنيسة القديس الياس وكنيسة القديس جورج. وهذه الكنائس قائمة اليوم في مواضع كنائس بيزنطية قديمة. ومن الكنائس التي بقيت آثارها كنائس القديس سابا والقديس توما والقديسة بربارا.

أما الأوابد والأحجار الضخمة والكهوف والمغارات المحفورة في الصخر التي سكنها الإنسان القديم فتحكي قصة تاريخ آلاف السنين منذ العهد الارامي الذي كانت فيه معلولا تتبع مملكةحمصإلى العهد الروماني الذي سميت فيه معلولاسليوكوبوليس وإلى العهد البيزنطي من القرن الرابع  حتى القرن السابع عشر.

 

إن اللهجة الآرامية المتداولة في معلولا حالياً تعود إلى أصول لغوية تطورت إليها اللغة الآرامية منذ القرن الأول قبل الميلاد حتى القرن السابع الميلادي. ومن المعروف أن اللغة الآرامية مرت بعدة مراحل كانت أقدمها الآرامية القديمة التي استمرت من القرن الحادي عشر قبل الميلاد حتى منتصف الألف الأول الميلادي. وأعقبتها “الآرامية الإمبراطورية” التي عاصرت زمن الإمبراطورية الفارسية الأخمينية (530 ـ 330 ق.م). ودخلت اللغة الآرامية في مرحلة جديدة من مراحل تطورها من عهد المكابيين (عام 195 أو 164ق.م). وإلى هذه المرحلة المتأخرة تعود اللهجة المستعملة في معلولا والمنطقة المجاورة لها.

 

من "معلولا" يبدأ تاريخ البشرية، عندما تقف بين صخورها وبيوتها المحفورة بين الجبال وأماكنها المقدسة القديمة؛ تشعر بأنك في التاريخ نفسه، بين صفحاته، تحس بحالة غريبة، بنشوة حضارتنا.