المدرسة الداخورية الدمشقية أوج الحضارة العربية

ثورة اون لاين :

 المدارس الطبية المتخصصة  أنشئت خصيصًا لتدريس علوم الطب، ولم يكن لها طابع آخر غير ذلك، وكان لهذه المدارس أثر كبير في تطور الدراسات الطبية حيث كان يشرف عليها ويدرس فيها رؤساء الطب المتميزون والمشتهرون بالصناعة الطبية، وكان يطبق فيها نظام تعليمي دقيق لا يختلف عن النظم التعليمية المطبقة في المدارس الطبية الحديثة. وسارت هذه االمدارس نحو الرقي واكتسبت شهرة فائقة في زمانها

لم يعرف المسلمون المدارس المتخصصة المتكاملة لتدريس الطب وتعليمه حتى القرن السابع الهجري وبالتحديد فترة العصر الأيوبي، حيث أنشئت أول مدرسة لتدريس الطب في بلاد الإسلام، وذلك في دمشق عام 621هـ / 1224م، وهي المدرسة الداخورية، ومن بعدها تتابع ظهور المدارس الطبية التعليمية.

ويمكن أن نجمل أول المدارس الطبية المتخصصة في بلاد العالم الإسلامي وبالتحديد في بلاد الشام، كالتالي:

1- المدرسة الداخورية: وتعرف كذلك بالمدرسة الدخوارية، وتقع بالصاغة القديمة التي كانت قريبة من باب الزيادة الجنوبي للجامع الأموي بدمشق، أنشأها شيخ أطباء مصر والشام مهذب الدين عبد الرحيم المعروف بالدَّاخُور سنة 621هـ وجعل لها الأطباء، وكان أول من درَّس بها.

2- المدرسة اللبودية النجمية: وتقع بين مدينة دمشق وضاحية المِزَّة المجاورة لها، خارج سور مدينة دمشق، وتعود لنجم الدين يحيى بن محمد اللبودي، التي أنشأها سنة 664هـ، وأول من درس بها جمال الدين الزواوي.

3- المدرسة الدُّنَيسرية أو الربعية: وتقع غربي باب البيمارستان النوري والـصلاحية بآخر الطريق من قبله. أنشأها سنة 686هـ عمـاد الدين أبو عبد الله محمد بن عباس بن أحمد الربعي الدنيسري الرئيس الطبيب الحاذق.

 ولكن أول هذه المدارس وأشهرها كانت المدرسة الداخورية أو الدخوارية،:

يرجع تاريخ المدرسة الداخورية إلى واقفها/ منشئها الطبيب الحكيم مهذب الدين عبد الرحيم بن علي بن حامد، المعروف بالدَّاخور أو الدِّخوار الدمشقي (565 – 628هـ / 1170 – 1230م)، 

كان رحمه الله أوحد عصره، وفريد دهره، وعلامة زمانه، وإليه انتهت رياسة صناعة الطب ومعرفتها. حصَّل علوم الشريعة والأدب والعربية والطب والفلك والإصطرلاب. ومن أبرز مشايخه في الأدب والعربية تاج الدين الكندي، وفي العلوم الطبية علي الرضي الرحبي، والموفق ابن المطران والفخر المارديني، وفي الفلك والنجوم أبي الفضل  المنجم، كما كان على صلة وصداقة كبيرة بعالم العربية المشهور سيف الدين الآمدي.

عمل الداخور أول أمره كحَّالا – طبيب العيون – في البيمارستان/ المستشفى النوري بدمشق، ثم علت شهرته لما أبداه من همة ونبوغ، وكانت له حظوة كبيرة عند الملوك الأيوبيين، حتى كان صاحب مشورة السلطان الملك العادل  ومرض الملك الكامل بمصر، فعالَجَه الدخوار، فحصّل له من جهته أموالاً عظيمة، ثم ولاه رئاسة ومشيخة الطب والأطباء في مصر والشام سنة 612هـ، كما أكرمه الملك الأشرف الأيوبي وولاه سنة 626هـ رئاسة الطب بدمشق، وجعل له مجلسا لتدريسه.

ومما لا يعرفه الكثير، أن مهذب الدين الداخور هو أستاذ الطبيب ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية، وابن أبي أصيبعة مؤرخ الأطباء صاحب كتاب «عيون الأنباء في طبقات الأطباء». وللداخور العديد من الكتب منها: «اختصار كتاب الحاوي في الطب للرازي»، وكتاب «ما يقع في الأدوية المفردة من التَّصحيف»، وكتاب «الجنينة في الطب». وقد بقى مهذب الدين مدة في خدمة الملك الأشرف، حتى توفي في دمشق في منتصف صفر سنة 628هـ، ولم يخلف ولدًا، ودُفن بسفح قاسيون.

بنى مهذب الدين الداخور المدرسة الداخورية أو الدخوارية؛ لتكون أول مدرسة تخصصية يدرَّس فيها الطب بعيدًا عن البيمارستانات، وموقعها بالصاغة العتيقة قرب الخضراء بدرب العميد، والتي كانت قريبة من باب الزيادة الجنوبي للجامع الأموي بدمشق، وفي رواية أنها كانت وبستان الدخوار عند أراضي الجامع الأموي من قصر اللباد، شماليها نهر ثُورة.

فكان مهذب الدين الدخوار إذا فرغ من محل عمله بالبيمارستان النوري، وتفقد المرضى من أعيان الدولة وأكابرها وغيرهم، يأتي إلى مدرسته ثم يشرع في القراءة والدرس والمطالعة، ولا بد له مع ذلك من نسْخ وتأليف، فإذا فرغ من ذلك أيضًا أذِن لتلاميذه، فيدخلون عليه، مجموعة خلف أخرى من الأطباء والمتعلمين، وكان يُقرئ كل واحد منهم درسه ويبحث معه فيه، ويفهمه إياه بقدر طاقته. ويبحث في ذلك مع المتميزين منهم إن كان الموضع يحتاج إلى فضل بحث، أو فيه إشكال يحتاج إلى تحرير. وكان لا يُقرئ أحدًا إلا وبيده نسخة من ذلك الكتاب يقرأه ذلك التلميذ ينظر فيه ويقابل به، فإن كان في نسخة الذي يقرأ أمامه غلط أمرَه بإصلاحه، وكانت نسخ الشيخ مهذب الدين التي تُقرأ عليه في غاية الصحة وكان أكثرها بخطه.

وبالجمع بين الروايات، يكون تاريخ بناء المدرسة الداخورية أواخر سنة 621هـ وبدايات عام 622هـ، حيث كان مقدم الداخور على الملك الأشرف بالقاهرة في ذي القعدة سنة 622هـ، فكان واقفها أول من درّس الطب بها، ويبدو أنه ظل مدرسًا بها حتى سنة وفاته، حيث أوصى أن يكون المدرس بها من بعده الحكيم الطبيب شيخ الأطباء بدمشق شرف الدين علي بن الرَّحبي (ت 667هـ)، الذي استمر في رئاستها حوالي أربعين سنة، ثم صار المدرس فيما بعد الحكيم بدر الدين المظفر بن قاضي بعلبك، وتولى ذلك في يوم الأربعاء رابع صفر سنة 677هـ، ثم درس بها بعده عماد الدين الدنيسري (ت 686هـ)، وعز الدين السويدي (ت 690هـ)، والجمال المحقق أحمد بن عبد الله بن الحسين الأشقر وقد ولي مشيخة الدخوارية وتدريس الطب بها (ت 694هـ)، ومحمد بن عبد الرحيم بن مسلمة كمال الدين الطبيب (ت 697هـ)، ووليها أمين الدين سليمان بن داود الدمشقي (ت 732هـ)، ثم جمال الدين محمد بن شهاب الدين الكحال (ت 732هـ)، وليها سنة 717هـ عوضًا عن أمين الدين سليمان.

 

وقد ظلت المدرسة الداخورية تمارس دورها الحضاري الرائد في تدريس الطب وتعليمه، وإخراج نوابغ الأطباء -أمثال ابن النفيس وابن أبي أصيبعة، ويتعاقب على رئاستها والإشراف عليها كبار أطباء الشام، حتى منتصف القرن التاسع الهجري، أي ما يزيد على قرنين من الزمان، وهي اليوم دور ولا يعلم زمن دمارها.