البيمارستان الأرغوني...شاهد على تاريخ مجيد

ثورة اون لاين :

أفضل المعالم الأثرية في كل حلب..بوركت الجهود التي بذلت من اجل تحويل هذا المعلم الحضاري والأثري إلى شاهد على تقدم العلوم والطب عند أجدادنا العرب الأوائل»هكذا كتب عن هذا البيمارستان"البيمارستان الأرغوني".

يقع هذا البيمارستان في قلب مدينة حلب القديمة من جهة الجنوب في حي"قنسرين" في شارع يدعى "درب البنات"، ويمكن الوصول إلى البيمارستان من جهات المدينة القديمة الأربعة، فمن جهة الجنوب يمكن الوصول إليه عن طريق "باب قنسرين" الذي يعتبر أهم أبواب حلب وأكثرها منعة واكتمالا، ونتجه من هذا الباب نحو الشمال مسافة 500 متر للوصول إلى البيمارستان، ومن جهة الشمال يمكن الوصول إليه من "الجامع الأموي الكبير" مرورا بحمام "النحاسين" الذي يبعد عنه مسافة 500 متر، أما من جهة الشرق فيمكن الوصول إليه من "قلعة حلب" حيث نتجه غربا مرورا بجامع "السفاحية المملوكي" المشهور، أما من جهة الغرب فيمكن الوصول إليه من "باب أنطاكية" مرورا بـ"سوق المدينة" المسقوف حيث نصل إلى حمام النحاسين ومنه ننعطف باتجاه الجنوب لنصل إلى البيمارستان.

وكلمة "بيمارستان" تتألف من شقين بيمار: وتعني باللغة الفارسية المريض وستان: وتعني دار فتكون الكلمة بيمارستان تعني دار الشفاء، أما باللغة التركية فيسمى تيمارستان: وهي أيضا مؤلفة من قسمين تيمار: وتعني مجنون وستان: وتعني دار وتصبح الكلمة بالتركية معناها "مشفى المجانين".

بني هذا البيمارستان عام/ 1354/م، حيث بناه نائب السلطة المملوكية في حلب "أرغون الكامل" في فترة ولايته الثانية ويعتقد أنه كان قصرا لأحد الأمراء الأيوبيين، هدم جزء منه وبقي منه البوابة حيث قام "أرغون الكاملي" ببناء هذا البيمارستان مكانه، ليصبح بذلك أحد أهم وأروع الصروح الإسلامية، حيث أصبح مشفى ضم في أجنحته أناس كانوا في أمس الحاجة للعناية والرعاية، فعولج فيه مرضى الجذام والمرضى النفسيين ورصدت له أموال طائلة، وقد استخدمت "الموسيقى" في هذا البيمارستان كوسيلة أساسية لعلاج الأمراض النفسية بالإضافة إلى العلاج بـ "صوت الماء" و"ضوء النهار"، حيث كان العرب سباقين في استخدام الموسيقى كنوع من العلاج النفسي وقد ورد ذلك في كتب "الفارابي" و"ابن سينا".

بعد الدخول من البوابة الرئيسية للبيمارستان نجد في الجهة اليسارية لصيدلية التي كانت تسمى "شراب خاناه"، ويوجد في الصيدلية قاعة واسعة على جدرانها أربع خزائن كل خزانة طولها 108 سم وعرضها متر واحد، ولكل خزانة "باتنج طويل" يدخل منه الهواء وذلك لسحب الرطوبة منها، وللصيدلية نافذة تطل على الشارع الرئيسي يعتقد أنها كانت لبيع الدواء مباشرة دون الدخول إلى البيمارستان.

أما على يمين الباب الرئيسي فيوجد نافذتان كبيرتان يرى من خلالهما الزائر عدد المراجعين في غرف الانتظار حيث يقرر الدخول أو العودة في وقت لاحق.

وفي الجهة المقابلة للبوابة الرئيسية توجد غرفة الاستعلامات ولها نافذة تطل على ساحة البيمارستان وهذه الغرفة كانت مخصصة للزوار القادمين لزيارة مرضاهم.

أما في الباحة المركزية للبيمارستان التي يبلغ طولها 17.5 متر وعرضها 8.8 متر، فنشاهد في وسطها بركة ماء تضم نافورة جميلة لترطيب الهواء والباحة مفتوحة على السماء، في الجهة الشرقية من الباحة يوجد رواقين يرتفع كل منهما على أربعة عواميد، ويوجد في الجهتين الجنوبية والشمالية إيوانان، حيث يعتقد أن الإيوان الجنوبي كان مخصصا لجلوس المرضى من أجل الاستماع إلى الموسيقى، بينما كان الإيوان الشمالي مخصصا للفرقة الموسيقية التي كانت تعزف الموسيقى للمرضى.

يتألف البيمارستان من ثلاثة أجنحة رئيسية هي:

الجناح الأول: وهو مخصص للحالات الخطيرة أو المستعصية، يتم الدخول إلى هذا الجناح من الباحة الرئيسية عبر باب يفضي إلى الممر الطويل ومن ثم نتجه يسارا لنصل إلى الجناح، ويضم هذا الجناح أربع غرف منفصلة عن بعضها وتطل كل غرفة بنافذة على ساحة صغيرة فيها بحرة ماء وقبة مفتوحة ليدخل الضوء إلى الساحة، وقد تعزف الموسيقى في هذه الساحة وتروى القصص وينشد الشعر لتسلية المرضى ومساعدتهم على العلاج، وكان هذا الاهتمام بالمرضى النفسيين أو مرضى الجذام في فترة زمنية قابلها معاملة وحشية لهؤلاء المرضى في أوربة.

الجناح الثاني: وهو قسم "الأمراض العادية" ويضم إحدى عشر غرفة تنفتح جميعها على باحة الجناح ذات القبة المفتوحة للسماء كباقي الأقسام، وتتوسطها بركة ماء مثمنة الشكل، وقد خصص هذا القسم للمرضى العاديين والذين لا يشكلون خطورة على المرضى الآخرين.

الجناح الثالث: وهو قسم "النساء أو قسم النقاهة": وفيه خمسة عشر غرفة مطلة على باحة ذات قبة مستطيلة مفتوحة للسماح للضوء بالدخول، وتتوسطها بركة ماء كباقي الأجنحة، كما يضم هذا الجناح إيوانين جنوبي صمم بحيث يرفع صداه الصوت وهو مخصص للفرقة الموسيقية التي كانت تعزف الموسيقى، أما الإيوان الشمالي فيعتقد أنه كان لجلوس المريضات وله باب كبير مغلق لمنع اختلاط الرجال مع النساء، كما يوجد في هذا الجناح غرفة منعزلة قبل الدخول للجناح لمعاينة المريضة دون الدخول للجناح حفاظا على حشمة المريضات.

وبالإضافة لهذه الأجنحة الرئيسية يوجد جناح خاص للخدمة وفيه الحمامات والمطبخ والمستودع ولها باب خاص يفضي إلى خارج البيمارستان يتم من خلاله إدخال الطعام والحاجات الأخرى وذلك حفاظا على هدوء المبنى.

ومن أهم ميزات هذا البيمارستان هو أن جميع الأجنحة معزولة ضد الصوت والحرارة لكي لا يؤثر صراخ المرضى النفسيين على راحة زملائهم أو راحة الجوار، هذا بالإضافة إلى أن المبنى مصمم لمقاومة الزلازل من خلال وجود أخشاب لامتصاص الحركة فبقي صامدا أمام الزلازل التي ضربت "مدينة حلب" قديماز

وضمن إطار خطة "المديرية العامة للآثار والمتاحف" بتخصيص المباني الأثرية بغية الحفاظ عليها وتطوير الحركة السياحية، فقد تم تخصيص "البيمارستان الأرغوني" كمتحف للطب والعلوم عند العرب القدماء وذلك بموجب مرسوم جمهوري، حيث يتم فيه عرض عدد من الأدوات الطبية التي كانت مستخدمة قديما في الطب وعددا من الأدوية، هذا بالإضافة لتماثيل لبعض الأطباء والعلماء العرب المشهورين، حيث خصصت كل غرفة لطبيب وعلى بابها وضعت لوحة كتبت عليها لمحة عن الطبيب، نذكر من هؤلاء الأطباء والعلماء، أبو بكر محمد الرازي، ابن النفيس، جابر بن حيان، ابن الهيثم، الخوارزمي، الفارابي، الكحال، الزهراوي، ابن رشد، التيفاشي، الروداني وعدد من كبار علماء العرب.

 الأماكن التاريخية كثيرةفي مدينة "حلب" والتي تشهد على تاريخ مجيد عاشه أجدادنا حقبة من الزمن كان الغرب خلالها يعيش في ظلام دامس ويستمد النور والحضارة من أمتنا العربية والإسلامية،