"الهند الصغيرة".. داخل سور دمشقي يتكلم عراقة وحضارة

ثورة اون لاين :

حارات دمشقية، تحنو على بعضها بعضاً، ومعالمها المتشابهة تشعرك بأن المكان واحد رغم اختلاف تسميات تلك الأزقة القديمة، فبين "القساطلية" و"مئذنة الشحم" تلال شامية تعبق بأصالة التاريخ؛ ما حذا بأهالي "دمشق" إلى تسميتها "الهند الصغيرة".

يقع حي "القنوات" في قلب المدينة القديمة، ويعود نشوء هذه المنطقة إلى النصف الثاني من القرن الرابع عشر خلال العهد المملوكي، وسميت بهذه التسمية نسبة إلى وجود قبة يباع تحتها الشحم، نظراً لكونها مركز المدينة وكان يقصدها القاصي والداني في ذلك العهد، ويعد الحي جزءاً من "القيمرية"؛ المنطقة الأكبر في "دمشق" القديمة، التي تضم "حي الأمين، باب توما، باب شرقي، طالع الفضة، مكتب عنبر، سفل التلة، النوفرة والكلاسة"، وتلتصق "مئذنة الشحم" بمناطق مجاورة لها، فمن "دخلة ناصيف باشا" مروراً بـ"تلة السماكة" و"تلة النجارين" و"حارة الناصري" انتهاءً بـ"القساطلية"، جميعها أحياء تشبه بعضها بعضاً.

يحد الحي من الشمال "الكلاسة"، ومن الجنوب منطقة "الشاغور"، ومن الشرق "باب شرقي"، ومن الغرب "سوق الحميدية" و"باب الجابية"».

وقدسكن "مئذنة الشحم" منذ قديم الزمان عائلات دمشقية، أنجبت شخصيات لها مكانتها التاريخية، مثل آل "عربي كاتبي"، "فهمي الصواف" وأولاده، كذلك عائلة "شكري القوتلي"، عائلة "جميل الألشي"، منزل آل "القباني" الذي كان يملكه "توفيق القباني" والد الشاعر "نزار قباني"، قبل أن يصبح ملكاً لآل "نظام"، وعائلة "جميل مردم بيك"، ومنزل "ناصيف باشا" الذي يسمى حالياً "بيت نظام"، إضافة إلى منزل "مصطفى القباقيبي" وآل "اللحام"؛ حيث قضى الفنان "دريد اللحام" أولى مراحل حياته، ومنزل الشيخ "عطا الكسم" وبيت "الأرناؤوط"، وبيت "البوارشي" و"جواد بيك العظم"، وبيت "الحلاق"، إلا أن معظم أبناء هذه العائلات اليوم قد انتقلوا إلى مناطق أخرى، وبشكل عام فإن الحي كباقي أحياء "دمشق" فيه من الطبقات المتفاوتة، جميعها كانت ضمن نسيج اجتماعي متكامل، عكس هذا النسيج صورة أصيلة عن التكافل الاجتماعي الحقيقي ضمن الحي، والتعاطف الحاصل بين تلك الطبقات وصل إلى مستوى كبير من الألفة، إلى درجة أن العائلات الغنية كانت تشتري من محلات الفقراء ما تبقى من بضاعتهم اليومية، على الرغم من وضع هذه البضاعة المتبقية إلى آخر اليوم، وروح الأخوة هذه التي كانت تطفو على سكان الحي بوجهائه، هي نفسها كانت تساهم في حل الخلافات إن حصلت بشكل أهلي، وبتدخل من "جاهات" الحي، وعلى الرغم من تغير الزمان والسكان، إلا أن هذا النسيج بقي محتفظاً بما عهده حتى يومنا هذا.

يغلب على المنطقة النمط العربي في البيوت، وأغلب هذه البيوت فاخرة البناء حتى يومنا هذا، إضافة إلى الدكاكين التي بنيت على الطراز الدمشقي القديم، وبقيت المنطقة محافظة على تاريخها العمراني حتى الآن، مثل منزل "الكسمي" الذي أصبح "المعهد السياحي"، وبيت "أحمد بيك السباعي"، وجميع البيوت التي ذكرتها ممتدة بين "مئذنة الشحم" وحارة "ناصيف باشا".

و عن تاريخ المنطقة وما حولها:

هناك بقايا أثرية لتلك المئذنة التي تعلو المنطقة، حيث إنها من بقايا "السور الآرامي" أول وأقدم أسوار "دمشق"، دليل على أن المدينة القديمة "دمشق" لم يتجاوز قطرها الخمسمئة متر فقط، ومن المحتمل أن تكون هذه المئذنة منارة فوق السور لكشف الضيوف أو الغزوات في سابق الأزمان، حيث إنك تلاحظ وجود مئذنة مشابهة لها عند منطقة "طالع الفضة"، وكذلك مئذنة ثالثة عند "باب شرقي"، ويوجد بالقرب من مدخل المنطقة بناء يسمى "بناء البطركية"؛ شيد في فترة حديثة من تاريخ "دمشق" عام 1948، حيث كانت هذه البقعة قديماً مركزاً للعديد من الدكاكين سمي باسم "خان النحاس"، ويباع بداخله "قشر القنب" الذي تصنع منه "خيوط المصيّص" المستخدمة في حياكة "أكياس الخيش"، وأيضاً كان يجبل مع مواد البناء القديمة "الكلس" و"الطين" و"التراب" لخفض وتوفير التكلفة المادية.

وخلال حديثه تطرق إلى امتداد الحارات قائلاً: «"تلة النجارين" هي أعلى قمة في "دمشق القديمة"، سميت بهذا الاسم نسبة إلى وجود محلات النجارة بكثرة فيها، ويقال إنها واقفة على أنقاض قصر روماني قديم، وبني فيها أكثر من ثلاثين منزلاً.

وبالقرب من تلك التلال يوجد "مقهى الناصري"، وهي من أقدم المقاهي في "دمشق"، يقع المقهى في "تلة السماكة"، وقد تم بناؤه منذ مئة وخمس وعشرين سنة، ومن أقدم المقاهي الشعبية في "دمشق"، وهو ما زال محافظاً على كثير من هيئته التاريخية، ومقصداً لأهالي الحي.

ومن المناطق المجاورة للمقهى "حارة الناصري"؛ التي سميت نسبة إلى قبر أحد الصالحين الذي كان فيها ويسمى "الناصري"، ويوجد فيها "حمّام الناصري" الذي يعد قديماً من قدم المقهى، وأيضاً توجد منطقة "القساطلية" التي سميت بذلك الاسم نسبة إلى وجود دكان يعمل في صناعة قساطل الماء الفخارية، إلا أن معالم هذا الدكان اختفت وبني فوق أنقاضه بناء حديث، وإلى جانبه تماماً "خان" لبعض المهن الشعبية مازال موجوداً حتى يومنا هذا، ومعملاً لصناعة "الملبّس" منذ العام 1960 ..

ويقول الباحث "نصرالدين البحرة" في كتابه "دمشق في الأربعينيات وعبر القرون": «كان في الحي واحد من خانات دمشق القديمة، هو "خان النحاس" وقد ظل حتى الأربعينيات يقوم بوظيفة الخان التاريخية، ولقد نهض مكان الخان والدكاكين والحوانيت المجاورة جميعاً بناء حديث ضخم.

ومن المهن المنقرضة التي كانت موجودة في الحي مهنة "الدقاق"، حيث كان صاحبها يدق قشر القنّب حتى يصبح نتفاً صغيرة تخلط بمائع الكلس لتقويته ثم تطلى به الجدران، ومهنة "المبيض"، و"كواء الطرابيش"، و"الرشّاش" الذي كان يحمل على ظهره قربة جلدية ملأها بالماء، ويرش دروب الحي، في حين يتبعه "كنّاس" يتولى التنظيف بعده.

وكان لأهالي الحي مطارحهم الخاصة للنزهة مثل "بساتين القراونة" جنوب حيي "الأمين" و"الشاغور"، وقد تجاوزوها إلى مناطق "الربوة، دمر، عين الخضرة، عين الفيجة" في الأحوال العادية».