خطوات على طريـق الاســتثمار بالـذهب الأخضر..الأعشاب الطبيعيـة..

ثورة أون لاين:

على مر العصور كانت الطبيعة ولاتزال المصدر الأكثر غنى بالموارد المختلفة التي تلبي حاجات الإنسان الأساسية والمتنوعة من الطعام والماء والملبس والطاقة والعلاج والمسكن وغيرها مما لا يتسع عرضه بالتفصيل هنا..
هذا الغنى الهائل بالموارد كان حجر الأساس في تشكيل اقتصادات العديد من الدول بعد اكتشافها لمصادر تلك الموارد والتي منها النفط والثروات الباطنية الأخرى، وكذلك ساهم التوسع بالنشاط الزراعي في تعزيز توجهات الدول التي اعتمدت فيما بعد بشكل رئيسي على الزراعة لتكون الحال الأساس لاقتصاداتها، وما بين هذا وذاك من الموارد التي احتاجت إلى جهود الإنسان لاستخراجها والتوسع بانتاجها، يبقى الحديث عن الموارد المنتشرة في الطبيعة والتي لايزال الاستثمار فيها وتوظيفها لخدمة الإنسان والاقتصاد محدوداً في بعض الدول رغم ما تتمتع به من غنى هائل بمثل تلك الموارد والتي منها الأعشاب الطبيعية التي لها استخدامات طبية علاجية..

ومن المعروف أن سورية واحدة من البلدان التي تنتشر فيها الأعشاب الطبية بكثرة ويساهم تنوع البيئة والمناخ بين السهل والجبل والساحل والصحراء بوجود مختلف الأصناف التي تعيش في تلك البيئات الطبيعية..
وفي هذا يقول الدكتور شادي خطيب رئيس الجمعية العلمية السورية للأعشاب والطب التكميلي والتجانسي والتغذية إن تنوع المناخ في سورية يشكل بيئة مناسبة لنمو النباتات الطبية والأعشاب العطرية المتنوعة، حيث يمتاز الغطاء النباتي بتنوع البيئة والمنطقة الجغرافية، ويقدر عدد الأنواع النباتية الموجودة في سورية بحوالي 3150 نوعاً تتبع لـ 900 جنس حسب التقرير الوطني الأول للتنمية المستدامة.
تشجيع استثمار الأمثل
ويوضح الدكتور خطيب حول مدى الاهتمام الذي تحظى به الأعشاب الطبيعية والخطوات التي تم التوصل إليها في هذا الجانب بالقول: إن الجهود تركزت مؤخراً على تشجيع الاستثمار الأمثل لهذه النباتات من خلال المؤتمرات العلمية والندوات الطبية، وقد تم إدراج الاهتمام بالنباتات الطبية في تقرير السياسة الوطنية للعلوم والتقانة والابتكار في سورية لعام 2017، كما اهتمت الأمم المتحدة للصناعة (UNIDO) بالنباتات الطبية واستثمارها حول العالم وأعطتها الأولية في المشاريع الزراعية، ونجد في بعض الدول مئات المعامل الصغيرة التي تعمل في الأعشاب الطبيعية الطبية وتنتج أدوية شعبية، وتؤمن دخلاً بعشرات الملايين من الدولارات في كل عام مثل بنغلادش.
علاج الملاريا

 

كذلك فقد اهتمت منظمة الصحة العالمية بهذا الجانب ودعت إلى اعتماد وتعميم تجربة التداوي من مرض الملاريا باستخدام نبات (الأرتيميزيا) نظراً لكفاءته ورخص ثمنه..كذلك توصلت الجمعية البريطانية لطب الأعشاب إلى إنتاج دستور الأدوية العشبية البريطانية عام 1983، والجمعية هي عضو في الشبكة الأوروبية للأعشاب الوطنية (الاتحاد الأوروبي العلمي للأدوية النباتية) التي تم إنشاؤها عام 1989.
إلى جانب ذلك يوجد الكثير من المؤسسات البحثية في عدة دول تهتم بتقييم العلاجات المحلية باستخدام النباتات الطبيعية، وتعمل منظمة اليونسكو على توثيق التراث الشعبي للمعالجات التقليدية عملاً باتفاقية عام 2003 واتفاقية التنوع البيولوجي لعام 1992، والإعلان العالمي لليونسكو بشأن التنوع الثقافي لعام 2001، وإعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصيلة، وغيرها.
وفي العام 2017 أصدر المركز الدولي للمعلومات والشبكات والتراث الثقافي غير المادي لدول آسيا والمحيط الهادئ وبرعاية اليونسكو مؤلفا بعنوان (الطب التقليدي) قام خلاله برنامج التراث الحي، أحد برامج الأمانة السورية للتنمية، الذي يعمل على توثيق عناصر التراث الثقافي السوري المادي واللامادي بإدراج الطب التقليدي في سورية في القسم السابع منه.
مهنة العطارة
وحول سؤال هل يمكن اعتبار ما يقوم به بعض العطارين بأنه جانب من الطب البديل في استخدام الأعشاب الطبيعية، وهل يمكن اعتبار صناعة تعبئة الأعشاب وتغليفها أنها تدخل في هذا الجانب والتي بتنا نشهد انتشارها بشكل واسع تحت مسميات تجارية عديدة، يوضح الدكتور خطيب إن مهنة العطارة تحتاج إلى إعادة تعريف للقيام بمهمة الطب البديل، وذلك من خلال توضيح أدوار كل من الأطباء وأطباء الأسنان والصيادلة والكيميائيين والمهندسين الزراعيين والعطارين في سبيل تكامل الجهود للحفاظ على الموروث التقليدي الشعبي للعلاج بالأعشاب الطبية، والرقابة هنا ضرورية لضبط آلية العمل وحفظ صحة مستخدمي الأعشاب الطبية.
اهتمام عالمي
ذلك أن منظمة الصحة العالمية اهتمت بالطب التقليدي والطب التكميلي والبديل، وصدر قرار عن جمعية الصحة العالمية في عام 2009 يؤكد على ضرورة تحديث وإيجاد استراتيجيات للطب التقليدي (الشعبي) العالمية، وصدر عن منظمة الصحة العالمية عدة وثائق بهذا الخصوص لدعم تطبيقاته منها: استراتيجية منظمة الصحة العالمية في الطب التقليدي(الشعبي) 2002-2005 (وهي أول وثيقة استراتيجية في تاريخ المنظمة في هذا المجال)، واستراتيجية المنظمة للأدوية للأعوام 2004-2007 (الأبواب الخاصة بالطب التقليدي-الشعبي)، واستراتيجيتها للأعوام 2008-2013 للأدوية المتضمنة مكونات الطب التقليدي الشعبي، وأخيراً استراتيجية أعوام 2014 - 2023 حيث ينطلق من العمل الذي نص عليه إعلان بيجين، الصادر من مؤتمر المنظمة حول الطب التقليدي (الشعبي) عام 2008.
وتتضمن الاستراتيجية العالمية ضرورة حماية وصيانة موارد الطب التقليدي (الشعبي) والتكميلي، ولاسيّما المعارف، والموارد الطبيعية، ووضع برنامج بحوث وطني يتبنّى ويشمل مختلف أنماط نماذج البحوث في مجال النباتات الطبية واستخداماتها، والالتزام بالمعاهدات الدولية حول التنوع البيولوجي والأنواع المعرضة لخطر الانقراض من النباتات الطبية.
لذلك يتم النظر الآن إلى الطب البديل بصورة مختلفة، فالطب التقليدي هو الطب الشعبي القديم ويُسمى الطب الأصيل والطب الشمولي، والطب التكاملي، وفي المرجع الدوائي النباتي PDR، يُطلق على الاستخدامات الشعبية للنباتاتPublic Medicine, وكذلك يُدعى بالطب التكميلي، والطب البديل، ويطلق عليها اختصاراً TM/CAM.
ومن السمات الشائعة لمعظم أنظمة الطب التقليدي (TM) / الطب التكميلي والطب البديل (CAM) أنها تتخذ نهجا شموليا لتعزيز الصحة، ومنع المرض، ومساعدة الفرد على علاج الاضطرابات من خلال تنظيم حالته الجسدية والعاطفية، الجوانب العقلية وبيئة المعيشة، وفقاً لخصائصه ومفاهيمه، يمكن استخدام TM / CAM ليس فقط لعلاج المرض وتخفيف الأعراض ولكن أيضا لتنظيم وتحسين وترقية وظيفة الجسم البشري.
وهنا يبين الدكتور خطيب أن استراتيجية منظمة الصحة العالمية أكدت على ضرورة دعم الدول الأعضاء في استغلال المساهمة المحتملة للطب التقليدي (الشعبي) والتكميلي في تحقيق الصحة والعافية، وفي الرعاية الصحية التي تركز على الإنسان، وفي تعزيز الاستعمال المأمون والفعال للطب التقليدي (الشعبي) والتكميلي، عن طريق تنظيم المنتجات والممارَسات والممارِسين.
خطوات أساسية لتحقيق الأهداف
وللوصول إلى ذلك حددت الاستراتيجية خطوات أساسية أهمها بناء القاعدة المعرفية وصياغة السياسات الوطنية، وتقوية أسباب المأمونية والجودة والفعالية عن طريق الضبط والتنظيم، وتعزيز التغطية الصحية الشاملة، عن طريق إدماج خدمات الطب التقليدي (الشعبي) والتكميلي والرعاية الصحية الذاتية، في النظم الصحية الوطنية, ويشير في هذا إلى أن دراسة الاستخدامات الشعبية للنباتات الطبية تعتبر إحدى استراتيجيات اكتشاف الأدوية من خلال تراكم الخبرات في مجال العلاج عبر العصور، وتُدعى دراسات المسح الميدانية بدراسات المسح العرقية النباتية وهناك أيضاً دراسات المسح الطبية.
واقع الاهتمام محلياً
وفيما يرتبط بالجانب المحلي وهل هناك اهتمام جدي وكاف في مجال الدراسات والبحوث المتعلقة بتركيب الأدوية والمستحضرات الصيدلانية من الأعشاب الطبيعية، يبين الدكتور خطيب إن الهيئة العليا للبحث العلمي تعمل على رسم ملامح السياسة الوطنية للنباتات الطبية والعطرية في سورية للاستثمار الأمثل للنباتات الطبية والعطرية المنتجة محلياً عن طريق إجراء مشاريع بحثية ودراسات تطويرية مبتكرة تهدف إلى حل المشكلات القائمة (الزراعية - الإنتاجية - التسويقية) ورسم الاستراتيجيات بما يتوافق مع خطط التنمية المستدامة لبعض مناطق الريف السوري ويتقاطع ويتكامل هذا العمل مع مشروع /ذهب أخضر/ الذي يقوم به برنامج «مشروعي» أحد برامج الأمانة السورية للتنمية، والذي يدير برامج التسليف المتناهي الصغر لدعم المشاريع المبتكرة التي تشجع النمو الاقتصادي في المناطق الفقيرة.
وتعمل وزارة التعليم العالي على أرشفة الأبحاث في مجال النباتات الطبية بالتعاون مع «مشروعي» خلال الخمس سنوات الماضية لتشكيل قاعدة بيانات تفيد الباحثين والجهات التي ترغب باستثمار مخرجات البحث العلمي في هذا المجال.
تحديات
ويرى الدكتور خطيب أنه لمواجهة هذه التحديات تبرز ضرورة رسم سياسة وطنية شاملة لإدارة ملف النباتات الطبية والعطرية من حيث تحديد الأهمية الاقتصادية لبعض هذه النباتات وتحليل نقاط القوة والضعف والفرص والمخاطر، ووضع خطة وطنية لاستثمارها عبر إنجاز مشاريع بحثية ودراسات تضمن التطبيق العلمي السليم بما يعود بالفائدة على المزارعين ويحقق القيمة الاقتصادية القصوى من ذلك.
خطوات ناجحة في العلاج
وفي هذا السياق يوضح الدكتور خطيب أن هناك مساهمات سورية في هذا المجال ومنها الأبحاث التي يقوم بها بدعم من قسم العقاقير والنباتات الطبية في كلية الصيدلة بجامعة دمشق، وعمادة الكلية وكذلك بدعم من جامعة الأندلس الخاصة للعلوم الطبية وبالتعاون مع «مشروعي»، ويقول: قمت بإجراء أبحاث على استخدام النباتات الطبية السورية وحصلت على عدد من براءات الاختراع وعدد من الجوائز والميداليات المحلية في معرض الباسل للإبداع والاختراع وفي معارض دولية كان آخرها حصولي على الميدالية الذهبية في المعرض الدولي للإبداع والاختراع الذي أقيم في فوشان في الصين عام 2018 عن ابتكار علاج مساعد لليشمانيا الجلدية من خلاصة القشور الخارجية للفستق الحلبي، حيث تمحور البحث عن الاستخدامات العلاجية لنبات الفستق الحلبي، وتناول بشكل رئيسي استخدام أجزاء مهملة من هذا النبات السوري الأصل (أقدم شجرة موجودة في منطقة القلمون)، في تحضير مستحضرات صيدلانية جديدة تُستخدم في العلاج، حيث استطعنا استخدام النفايات النباتية المهملة من قشور ثمار الفستق الحلبي وصمغ شجرته كونها غنية بالمركبات الفينولية في تطوير صيغة كريم جلدي للعلاج المساعد لليشمانيا الجلدية.
من قشور ثمار الفستق الحلبي
لذلك قمنا بدراسة فعالية خلاصات الفستق الحلبي الايتانولية المضادة لليشمانيا في الزجاج وفي دراسة سريرية بالتطبيق الموضعي.
ففي اختبارات الزجاج للخلاصة الايتانولية للصمغ على عيوشية طفيلي الليشمانيا المدارية L. tropica، حيث بينت النتائج أثرا حيويا جيدا عند معالجة الطفيليات بتراكيز متزايدة من الخلاصات لمدة 48 ساعة من الحضن بالتعاون مع مركز دراسات الليشمانيا في جامعة دمشق.
وفي الدراسة السريرية ثنائية التعمية التي أُجريت في مركز الليشمانيا بحلب، حيث شملت الدراسة 102 مريض، حيث بينت النتائج والملاحظات السريرية بأن المعالجة المكملة الموضعية بخلاصتي قشور ثمار الفستق الحلبي وصمغ شجرته تدعم العلاج الكيميائي بالحقن الموضعي بـ(أنتيمواناتالميغلومين) لعلاج الليشمانيا الجلدية، وذلك بتقليل مساحة الإصابة وشدة تصلبها والوذمة وأعراض الاحمرار كما تساهم بشكل كبير في علاج الإنتان الثانوي والقرحة المرافقة له، ويتم العمل الآن على تطوير الصيغة الصيدلانية للكريم لإمكانية تصنيعه وطرحه في الأسواق.
خبرات محلية
وعن أهداف الجمعية السورية للأعشاب والطب التكميلي ودورها في دعم هذا التوجه والاهتمام بهذا المجال يوضح الدكتور خطيب بالقول إن الجمعية تضم العديد من الخبرات الوطنية وتهدف إلى نشر ثقافة وعلوم الطب التكميلي والمثلي التجانسي بطريقة علمية صحيحة من خلال العلماء والكوادر العلمية التخصصية، والمساهمة في تطوير صناعة الأعشاب والمواد الطبيعية والمتممات الغذائية ومواد الزينة والتجميل الطبيعية والعطور والزيوت العطرية.
نشر ثقافة البحث العلمي
وكذلك نشر ثقافة البحث والتطوير العلمي والطبي والتقاني، من خلال القيام بأبحاث علمية ودراسات بالتعاون مع القطاع العام والخاص لحل المشكلات التقنية والعلمية والفنية لتطوير هذه الصناعة الوطنية، وتدريب وتأهيل شرائح المجتمع المهتمة بالأعشاب لتطوير الكوادر العاملة بمجال الأعشاب الطبية فنياً وإدارياً، وزيادة خبراتهم وتنمية قدرة البحث والتطوير لديهم، ومنح شهادات الخبرة والجوائز للمتدربين المميزين، وإقامة الندوات والمعارض والمشاركة في الندوات والمعارض المحلية والدولية بالتنسيق مع المنظمات العالمية التي تعمل بنفس الاختصاص، والتواصل مع الأكاديميات والمعاهد والمصانع الدولية المختصة بالمستحضرات الطبيعية والمتممات الغذائية، لتطوير خبراتهم ورفد كوادرنا الوطنية بخبرات عالمية لتطوير هذه الصناعة.
الارتقاء بمستوى المنتج المحلي
ومن وجهة نظر الجمعية فإن الاستثمار الأمثل للأعشاب الطبية والطب التكميلي يكون من خلال التعريف بالموارد الأولية المحلية (العشبية والطبيعية) التي يمكن استخدامها لزيادة القيمة المضافة للمنتج السوري باعتماده على الموارد الطبيعية المحلية، والعمل على تطوير المنتجات السورية العشبية والتجميلية الطبيعية، والحفاظ على جودة الإنتاج، وطرق اختباره، بالتنسيق مع هيئة المواصفات والمقاييس السورية والهيئات الدولية ذات الصلة لضمان تصدير المنتج السوري وجودته.
ثقافة الغذاء الصحي
وكذلك تطوير زراعة وجمع الأعشاب والنباتات الطبية وخاصة التي تتميز بها سورية وتمييزها عن الأنواع السامة والضارّة، والحفاظ على الغطاء النباتي المكون من الأعشاب والنباتات السورية الجبلية والبرية والساحلية وتنوعه في سورية بالتعاون مع الجهات ذات الصلة، وتطوير تحضير وجمع واستخدام العسل السوري الطبيعي ومشتقاته مثل العكبر والغذاء الملكي وشمع النحل، وتطوير طرق تحضير العسل العضوي بالتعاون مع وزارة الزراعة وكليات الزراعة والمراكز البحثية الزراعية، وتطوير تحضير زيت الزيتون السوري العضوي واستخدامه في صناعة المستحضرات الطبيعية والغذائية والصيدلانية، إلى جانب تطوير طرق التغذية العلاجية ونشر ثقافة الغذاء الصحي في المجتمع.

محمود ديبو