بهــــــدف تجفيــــــف منابعـــــــه خــــــــلال الخمـــــــــس ســـــــــنوات القادمــــــــة.. مشروع جديد للقضاء على التلاسيميا في سورية.. ودراسة لإحداث مركز في محافظة الرقة

ثورة أون لاين:

بدأت إجراءات الحد من انتشار التلاسيميا في سورية منذ عام 1997 مع إطلاق وزارة الصحة المشروع الوطني للتلاسيميا وإحداث 12 مركزا لعلاج المرضى موزعة في أنحاء القطر تقدم العلاج المجاني رغم تكلفته العالية. إلا أن ذلك لم يمنع احتمال ولادة طفل مصاب من أبوين حاملين للمرض وخاصة خلال سنوات الحرب على سورية ووجود مئات المرضى في مناطق كان يصعب الوصول إليها والتي تراجعت فيها نوعية الخدمات, كل ذلك كان سببا لإطلاق مشروع جديد يهدف إلى تجفيف منابع المرض والحد من انتشاره.
لابد من معرفتها
ينتشر مرض التلاسيميا في جميع أنحاء العالم، لكن نسبته أكبر في بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط. ولهذا يطلق عليه أيضا فقر دم البحر الأبيض المتوسط. ولأنه ينتقل بالوراثة من الآباء إلى الأبناء، إذا كان أحد الوالدين حاملا للمرض أو مصابا به، فمن الممكن أن ينتقل إلى بعض الأبناء بصورته البسيطة بحيث يكونون حاملين للمرض، أو بصورته الشديدة بحيث يأتي الأبناء مصابين ويؤكد أطباء أمراض الدم أن هناك احتمالا بنسبة 25% أن يولد طفل مصاب بالمرض.
إن عدد مرضى التلاسيميا المشخصين والمعالجين ضمن المراكز التخصصية في سورية وفقا لإحصائيات عام 2014 بلغ 8300 مريض موزعين على جميع المحافظات، وإن عملية الإنفاق على التشخيص والعلاج تتم عن طريق وزارة الصحة حصراً، حيث تصل تكلفة علاج المريض الواحد من مرضى التلاسيميا مع نقل الدم إلى 500 ألف ليرة سورية للعام نفسه، كما تقدم الوزارة إضافة للعلاج، الأدوية غالية الثمن، وتؤمن مضخات للمرضى توزع على جميع المحافظات.
النصف الممتلئ
لاشك أن قصص المصابين بالمرض كثيرة جدا وقد تكون متشابهة من حيث تفاصيل المعاناة مع المرض لكنها تختلف من حيث القدرة على التحمل والمتابعة في طريق النجاح والعيش حياة طبيعية، فقد احتارت هالة التي تبلغ من العمر 26 عاما عما تتحدث (عن نصف الكأس الفارغ أم نصفه الممتلئ) وقصتها بدأت بتاريخ 21/11/1991 يوم مولدها وهي الطفلة الرابعة بترتيب أخوتها، جاءت إلى الدنيا وسط مشاعر أبويها الخائفين من أن تكون مريضة تلاسيميا وبالفعل بعد 6 أشهر بدأت الأعراض تظهر..وبعد التحليل تم التأكد من ذلك، ومن عمر السنة بدأت رحلة هالة مع نقل الدم حتى أصبحت جزءا من حياتها.
تقول هالة: لست مثالية، وقد مررت في حياتي بكثير من المشاعر السلبية..فأنا لست طبيعية كما هو حال رفيقاتي.. لا أستطيع الفرح بالعمل من دون أن أخاف من حالة التعب والإعياء التي تصيبني مقابل أي جهد أقوم به.. لا أستطيع الخروج دون الخوف من الحر أو البرد.. لا أستطيع الارتباط كي لا تتكرر المأساة..وأكثر أنواع المعاناة هي رفض المجتمع لنا وعدم تقبلنا كأشخاص طبيعيين.
لكن هالة تابعت دراستها حتى حصلت على الشهادة الثانوية ومن بعدها حصلت على إجازة في الاقتصاد.. لم تقف عند أول درجة بل تابعت دراستها.. وفي كل فحص كانت تمر به كانت تعيش معاناة جرعات الدم والكثير من التعب والإعياء.. لكنها كانت أقوى من المرض.
زواج الأقارب سبب مباشر
ينتج التلاسيميا عن خلل الجينات بسبب فقر الدم المزمن، وهو مرض قد يسبب الوفاة عند المصابين لكونه يؤثر في صنع الدم، فتكون مادة الهيموغلوبين في كريات الدم الحمراء غير قادرة على القيام بوظيفتها، ما يسبب فقر الدم الوراثي والمزمن الذي يصيب الأطفال في مراحل عمرهم المبكر، نتيجة لتلقيهم مورثين معتلين، أحدهما من الأب والآخر من الأم ويتم تشخصيه عن طريق الفحص المخبري الخاص والمعروف بالترحيل الكهربائي.
ورغم التعريف والتوعية بحجم هذه المشكلة تقول الدكتورة هزار رائف مديرة صحة دمشق: يوجد الكثير من العادات والتقاليد الموروثة في مجتمعنا التي تشجع زواج الأقارب، الذي يعتبر السبب المباشر للإصابة بالتلاسيميا وبأمراض أخرى مخفية وقاهرة، ينتج عنها أطفال يعانون كل حياتهم، بالإضافة إلى العبء الكبير الذي يقع على عاتق الدولة لأن مريض التلاسيميا الواحد يكلف أكثر من مليون ليرة سورية في العام بالحد الأدنى، والوزارة مشكورة تعمل على تأمين الأدوية والعلاج بشكل مجاني بالإضافة إلى التحاليل والفحوصات والإشراف والخدمات الطبية التي تقدم له بشكل دائم.
تحليل ما قبل الزواج
وأشارت الدكتوره هزار إلى أن المجتمع السوري اليوم في حالة من الوعي أكثر مما مضى ولكن يجب أن تتضاعف الجهود أكثر للالتزام بمراجعة عيادات ما قبل الزواج التي أصبحت ضرورة ملحة لمصلحة الطرفين، هذا هو الهدف الأساسي لإطلاق مشروع القضاء على مرض التلاسيميا في عام 2025 عن طريق التعاون بين جميع مؤسسات الدولة والمنظمات والنقابات والمجتمع الأهلي ومختلف الفئات حتى تتم التوعية بشكل كامل حول زواج الأقارب ليس فقط من اجل التلاسيميا بل لأن هناك الكثير من الأمراض التي تنتج عن هذا الزواج. إذ يمكن أن يولد الطفل ولديه تشوهات جينية من الخلايا، تظهر أعراضه من المراحل الأولى من العمر.
بطاقة تعريفية
في حديثها حول البرنامج الجديد بينت الدكتورة رنا الشفة رئيسة دائرة الأمراض المزمنة: أن برنامج التلاسيميا في سورية يرتكز على شقين أساسيين هما التشخيص والعلاج المستند على تقديم التثقيف والدعم النفسي للمريض حيث يعمل البرنامج على أربع مراحل تطبق في جميع مراكز التلاسيميا التخصصية وفي المشافي، من قبل أطباء مؤهلين وفقا لدليل عمل يوحد تقديم الخدمات العلاجية والدوائية للمرضى بشكل مجاني. مشيرة إلى وجود دراسة لإحداث مركز تلاسيميا في محافظة الرقة بعد أن انطلق العمل على وضع بطاقة تعريفية لكل مريض يرافقها دفتر للمراجعة يتضمن بند ملاحظات وختما علاجيا دوائيا خاصا بالمركز، وهي إجراءات توفر قاعدة بيانات صحيحة للمرضى والحالة العلاجية لهم.
تفاصيل المشروع
وبينت الشفة أن عدد المرضى حتى نهاية شهر آب عام 2018 هو 4677 مريضا موزعين في مراكز ومشافي المحافظات، وبتكلفة علاجية ودوائية تصل إلى مليون ليرة سورية لكل مريض في العام الواحد وذلك ضمن حسابات الحد الأدنى للتكلفة إذ يمكن ضرب الرقم بأكثر من ذلك، وعليه تصل تكلفة المرضى في سورية خلال عام واحد إلى خمسة مليارات ليرة سورية. الأمر الذي يدفعنا للتفكير ماذا سنفعل للحد من المرض.
وأكدت الشفة أن أهم جانب في هذا المشروع هي تضافر كافة الجهات المعنية لنشر الوعي الصحي على جميع المستويات، والتركيز على الخطوة الأولى المتعلقة بمعرفة عدد الولادات الجديدة للمرضى والتي أظهرت الدراسة الأخيرة وجود 214 ولادة جديدة للتلاسيميا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وعليه فإن خطة المشروع هي الحد من المرضى عن طريق الحد من الولادات المصابة بالتعاون مع الجهات المعنية بالتوعية فكان شعار المشروع نحو مجتمع خال من ولادة جديدة خالية من التلاسيميا وبالتالي تجفيف منابع حدوثه.
وأكدت رئيس دائرة الأمراض المزمنة خلال حديثها حول المشروع على تحسين التوزع الجغرافي لعيادات ما قبل الزواج وإلزام المقبلين على الزواج بالقيام بالفحوصات والتحاليل التي تؤكد خلوهم من المرض، وإجراء مسح لكافة طلاب المرحلة الابتدائية بإجراء فحوصات لتحديد نسبة الانتشار والاستراتيجيات اللازمة.
مجتمع بلا تلاسيميا
الدكتور محمد ياسر مخللاتي رئيس مركز التلاسيميا بدمشق ورئيس المراكز الطبية التخصصية قال: ان عدد المرضى المواظبين على مراجعة المركز بشكل أسبوعي يصل إلى حوالي 2000 مريض وبحسب حالة المريض، تتم المتابعة وتقديم العلاجات، وذلك ينطبق على جميع المراكز الطبية التخصصية التي تقدم خدماتها المجانية عن طريق وزارة الصحة ومديرياتها مؤكدا أن الهدف من إطلاق مشروع التلاسيميا، هو إيقاف وجود حالات جديدة لمرض التلاسيميا ووضع اللبنة الأولى للوصول إلى مجتمع خال من التلاسيميا خلال الخمس سنوات القادمة، وهذا الأمر نستطيع القيام به بالتعاون مع الجمعيات الأهلية والمنظمات المهتمة بهذا الجانب.
مسوحات مدرسية
ينطلق المشروع ببرنامج تنسيقي يتضمن القيام بمسوحات لجميع الأطفال ممن هم بسن المدرسة من خلال الاستفادة من بطاقات اللقاحات الخاصة بالطفل التي سيرافقها تقرير لتحليل خضاب الدم موجه إلى مراكز مختصة وموثوقة تبين الحالة العامة لكل طفل وتوضح إن كان هناك أطفال مصابون أو أطفال يحملون المرض، وإن كان لدى ذويهم علم بذلك أم لا, وهو إجراء يشكل تنبيها لهم للمستقبل بحالة طفلهم وبخاصة في موضوع العلاج والارتباط.
وبين الدكتور مخللاتي بأن هذه المسوحات تقدم بيانات وإحصائيات إلى وزارة الصحة ووزارتي العدل والأوقاف وغيرها ممن له علاقة في معالجة المشكلات المرتبطة بالتلاسيميا حيث يصبح لديهم داتا توضح مدى إمكانية زواج هذا الشخص من الطرف الآخر دون أن ينتج عن هذا الزواج طفل مصاب، كما يمنع تزوير تحاليل ما قبل الزواج من قبل البعض.
وأوضح رئيس المراكز الطبية: أنهم يستقبلون الأطفال من عمر 6 أشهر وصولا إلى أكبر مصاب لديهم بالمركز وعمره 65 سنة، في إشارة إلى أن الشخص الذي يهتم بعلاجه ويواظب عليه يمكنه أن يتابع حياته طبيعيا، مبينا أن أهم مؤشرات وجود حالة تلاسيميا لدى الأسرة تبدأ من الانتباه إلى القصة العائلية وفحوصات ما قبل الزواج، أما الأعراض فهي بكاء غير مفسر لدى الطفل والذي يكون نتيجة لنقص الأوكسجين لديه وعدم قدرته على الرضاعة، واللون الشاحب وتأخر النمو، كل ذلك يشير إلى احتمال وجود الإصابة.
يذكر أن التلاسيميا من الأمراض المعروفة منذ القدم في هذه المنطقة، وقد تم اكتشاف هذا المرض على يد الطبيب كولي عام 1925 عندما تم تشخيص حالات لمرضى يعانون من فقر دم شديد، ومجموعة أعراض لتشوهات العظام وموت المصاب في نهاية المطاف.

 ميساء الجردي