المعاهـد المتوسـطة..203 معاهد تتبع إلى 14 جهة مختلفة.. ورحلة البحث عن فرصة عمل هاجس يؤرّق الخريجين...

ثورة اون لاين:

تشكل المعاهد المتوسطة آخر الخيارات لدى الطلبة، والتوجه إليها يأتي بعد أن يفقد الطالب جميع الفرص الأخرى بالالتحاق بأحد فروع الجامعة وخاصة بعد أن ألغت جميع هذه المعاهد التزاماتها مع الخريجين وتأمين فرص عمل لهم، وأصبحت تعاني في غالبيتها الكثير من الترهل والتردي في البنى التحتية والمخابر والتجهيزات ونقص الكوادر التدريسية وقلة الموظفين, وغيرها من المشكلات التي أصبحت شبه متجذرة مع تراكم السنين دون الوصول إلى حلول شافية..
تساؤلات مختلفة.. تدور حول الأسباب والحلول والإجراءات.. وهل الخطوات التي اتخذت مؤخرا كافية للحد من الصورة المأساوية لمعاهدنا المتوسطة، ما هي التصورات الجديدة التي ستحملها القرارات المستقبلية لتحسين الواقع؟

غير واضحة المعالم
لا يوجد في المعاهد مناهج محددة وواضحة، وعندما يقال معاهد تقانية يفترض أن هناك علاقة بين هذه المعاهد والمهن المطلوبة في المجتمع، وعندما لا يسمح للطالب خلال دراسته التي مدتها عامان، إيقاف تسجيله بهدف تدريبه لمواكبة تطورات سوق العمل، يفترض أن يكون جاهزا لهذه المهمة، ولكن للأسف كل ذلك غير متوفر بصورته الصحيحة كما يقول طلاب المعاهد التقانية؟ إذ لا يوجد منهاج محدد ليدرسه الطالب والمسألة بأغلبها كيفية تعتمد على اجتهادات المدرسين والوصفات الجاهزة التي تقدم للطلبة على شكل نوط ومحاضرات مطبوعة.
هذا الأمر أكده أيضا رئيس مكتب المعاهد في الاتحاد الوطني لطلبة سورية عماد العمر مبينا أن تعدد التبعية للمعاهد يعتبر إشكالية في وجه توحيد المناهج أو تطويرها. كما أن سوق العمل في سورية غير موجود وغير واضح المعالم.. ولا يعمل على التنسيق مع المعاهد حول الخريج الذي يريده، وبالتالي لا يوجد تطوير للمناهج بما يتناسب مع هذه الحاجات، كما أن التعاون بين أصحاب الفعاليات الاقتصادية من خلال غرف الصناعة والتجارة لتأمين فرص عمل مدربة ومؤهلة لمؤسساتهم الصناعية وشركاتهم غير متوفر إلا ما ندر. ومازال الاعتماد في هذا الموضوع على الدولة فقط. وسوق العمل لدينا لا يطلب التقني والفني وخريج المعاهد بل على الأغلب يعتمد على عمالة الأطفال وأصحاب الأجور القليلة. ولهذا نجد أن خريجي المعاهد وحتى الجامعات يشتكون من البطالة وعدم توفر العمل.

إشكالية العائدية
ويرى العمر أن الخطوة الأولى لحل المشكلات هي توحيد تبعية المعاهد ودمج الاختصاصات المتقاربة والمتماثلة إذ لدينا 203 معاهد على مستوى سورية تتبع إلى 14 جهة مختلفة ما جعل متابعة مشاكل هذا العدد الكبير مع كل هذه الجهات أمرا ليس سهلا وفيه إشكالية كبيرة، فعلى سبيل المثال نجد اختصاص الكهرباء له عدة معاهد منها المعهد التابع لوزارة الكهرباء والمعهد التابع لوزارة الصناعة وهناك معهد يتبع للتعليم العالي، وبالتالي نفس الاختصاص ونفس الخطة الدرسية، تدرس في عدة جهات وبأعداد طلاب قليلة في كل معهد، هؤلاء لو يتم جمعهم في معهد واحد ولجهة واحدة أليس أفضل وأوفر من حيث البني التحتية والمناهج والكوادر مع مراعاة للجدوى الاقتصادية والتعليمية، ضمن عملية دمج حقيقية يتم من خلالها الاستفادة من الأبنية في مشاريع وأمور أخرى.
وأشار العمر إلى بعض الخطوات في هذا الاتجاه حيث وصلت المطالب لرئاسة مجلس الوزراء سابقا وتحولت إلى اللجنة البشرية إلا أن بعض الوزارات لم تتخل عن معاهدها لأسباب تخصها، ومنذ عامين كان هناك قرار من المجلس الأعلى للتعليم التقاني بتوحيد تبعية المعاهد لوزارة التعليم العالي كخطوة أولى وافقت عليه بعض الوزارات والبعض الآخر لم يوافق.
توضيحات
تتصل الأمور ببعضها البعض فهناك معاهد تابعة للوزارات منذ عشرات السنين ولم توظف أحدا من خريجيها، أليس هذا هدرا بكل جوانبه؟ هذا ما يشار إليه من قبل الطلبة وما تحدث عنه رئيس مكتب المعاهد في الاتحاد الوطني لطلبة سورية مضيفا أن الطالب الحاصل على شهادة معهد من جهة لا تتبع لوزارة التعليم العالي او التربية يكون غير معترف بها من وزارات أخرى.
وبالوقت نفسه يشيد ببعض الخطوات الإيجابية التي قامت بها بعض الجهات في هذا الاتجاه حيث وافق المكتب المركزي للإحصاء على عملية التبعية وهناك عشرة معاهد تتبع لوزارة الأشغال العامة أيضا وافقوا على عملية ضم معاهدهم، في حين تشترط بعض الوزارات الاحتفاظ بالمقرات والموظفين بينما توافق على نقل الطلاب.
مترامية الأطراف
تنتشر المعاهد في جغرافيا مترامية الأطراف وخاصة معاهد وزارة التربية التي يصل عددها إلى 98 معهدا، كان ذلك سببا في خروج أغلبها من الخدمة خلال فترة الحرب على سورية والاعتماد على المقرات المؤقتة لضمان استمرار العملية التعليمية ضمن بيئة تعليمية غير كافية، وبحسب العمر فإن هذه المعاهد بدأت تعود إلى مقراتها نوعا ما، وبدأت الأمور تتحسن من خلال تذليل العقبات والتوجه للتعاون مع الطلاب وتقدم التسهيلات لهم، ومكرمات المراسيم الصادرة من السيد الرئيس بشار الاسد ليستمر الطلاب في العملية التعليمية ومنها قرارات السماح للدوام في المعاهد المماثلة، ومراعاة نسب الحضور والجانب العملي.
5% التزام بالخريجين
تبقى مشكلة تأمين فرصة عمل هي المشكلة الأبرز لدى خريجي المعاهد المتوسطة وخاصة أن جميع المعاهد تخلت عن موضوع الالتزام بالخريجين ولكن هناك إجراءات جديدة صدرت مؤخرا تتعلق بتقديم فرص للخريجين الخمسة الأوائل في كل معهد من خلال توظيفهم من دون مسابقة، وهي فرصة جيدة نوعا ما تضاف إلى النسبة التي كانت سابقا بالسماح بنسبة 3% من الخريجين الأوائل بالذهاب إلى الكلية المقابلة في الاختصاصات المماثلة، بالإضافة إلى وجود المعاهد التابعة لوزارة النفط التي تستقطب الخريجين إلى سوق العمل بعد تخرجهم مباشرة. ولهذا يكون الإقبال عليها كبيرا جدا ويحتاج إلى معدلات مرتفعة للقبول. والمعاهد الطبية والتعويضات السنية واختصاصات الحاسوب التي يكون عليها إقبال كبير لكون هذه الاختصاصات لها فرصة عمل في المجتمع.
جوانب مشرقة
معاون وزير التعليم العالي ونائب رئيس المجلس الأعلى للتعليم التقاني الدكتور رياض طيفور يبين أن المعاهد التقانية بالعموم لم تتوقف عن العمل واستمرت باستقبال الطلاب وتعليمهم وتدريبهم خلال الفترة الماضية. وبقيت الجامعات والوزارات تعمل على تقديم ما يلزم لرفع سوية المعاهد التقانية رغم الصعوبات العديدة التي تمثل انعكاسا للحرب، كما استمرت وزارة التعليم العالي من خلال المجلس الأعلى للتعليم التقاني على تحسين بيئة العمل وظروف العاملين وأوضح طيفور فيما يخص تأمين فرصة عمل بأن العديد من الجهات التي تتبع لها المعاهد تقوم بالإعلان عن توظيف العاملين، كل جهة على حدة حسب القوانين والأنظمة الأساسية للعاملين وبالتوازي يجري العمل على تحسين تعويضات البيئة التدريسية والفنية والإدارية للعاملين في المعاهد وقد صدر القرار رقم 9 تاريخ 14/10/2018 الذي تضمن تعديل أجور الساعات النظرية والعملية الإضافية ويجري العمل حاليا على تعديل القرار رقم 18 تاريخ 2010 المتعلق بتعويضات الأعمال الامتحانية.
محفزات
وأشار طيفور إلى عدد من القرارات كان أهمها قبول نسبة 3% من خريجي كل قسم من أقسام المعاهد الخاضعة لإشراف المجلس الأعلى للتعليم التقاني في الكليات الجامعية بموجب قرار مجلس التعليم العالي رقم 49 تاريخ 2014 وقبول ما يعادل نسبة 2% من خريجي العديد من الاختصاصات في الكليات التطبيقية إضافة إلى النسبة المذكورة أعلاه أي انه في أغلب الاختصاصات تصل نسبة المقبولين لمتابعة دراستهم في الجامعات إلى 5%.
كما صدر مؤخرا القانون رقم 18 لعام 2019 القاضي بتعيين نسبة 5% من الخريجين من كل قسم أو تخصص يمنح دبلوما تقانيا من تلك المعاهد في الجهات العامة وذلك من دون إعلان أو مسابقة.
زيادة القبول
بعد تراجع أعداد الطلاب المقبولين في المعاهد خلال فترة الحرب على سورية، لوحظ في العام الدراسي 2018/2019 زيادة كبيرة في الإقبال على التسجيل فيها، وهذا الازدياد يمثل مؤشرا ايجابيا بالنسبة للمعاهد، بحسب رئيس المجلس الأعلى للتعليم التقاني، الذي أكد أن العمل مستمر على تطوير قاعدة البيانات اللازمة لتحديد الأعداد وفق خطة وزارة التعليم العالي للقبول في الجامعات والمعاهد وأن التحضيرات لمفاضلات العام الدراسي المقبل ترتكز على معلومات دقيقة تساعد على تنفيذ المفاضلة بشكل جيد.
إعادة هيكلية
وأكد طيفور أن العمل مستمر على إعادة هيكلة بعض المعاهد ونقل تبعيتها من جهات حكومية إلى وزارة التعليم العالي، وقد أقر المجلس الأعلى للتعليم التقاني مؤخرا نقل تبعية المعاهد التقانية التابعة للمكتب المركزي للإحصاء إلى جامعتي دمشق وتشرين كما يجري العمل على نقل تبعية معاهد المراقبين الفنيين التابعة لوزارة الأشغال العامة إلى جامعات القطر كل حسب موقعه الجغرافي.
لنا كلمة
لا تحل مشكلة تأمين فرص عمل لهذا الكم الهائل من الخريجين بالاعتماد على المؤسسات الحكومية فقط فلابد من تخطيط استراتيجي يتشارك فيه القطاعان الخاص والعام فلماذا لا يكون لغرف الصناعة والتجارية دور واضح بأخذ 5% على الأقل من خريجي المعاهد للتوظيف في المصانع والمؤسسات والشركات التي تتبع لها أسوة بالقطاع العام؟ هذا الأمر لايزال برسم واضعي خطط وبرامج وتحسين واقع المعاهد..كما يفترض أن يكون للمعاهد التابعة لوزارة معينة نصيب من خططها بحيث تعمل على تعيين جزء من خريجيها إما في المديريات التابعة لها أو من خلال الاتفاقيات التي توقعها مع جهات خاصة أو عامة بحيث تكون هذه المعاهد رافدا حقيقيا لسوق العمل كما هو الحال في الدول الأخرى. وهو الأمر الذي يذكر في جميع الفعاليات الاقتصادية لكنه يبقى بلا تفعيل على الرغم من الشكوى المستمرة لديهم من نقص اليد العاملة.

تحقيق: محرز العلي - ميساء الجردي