الاستملاك ما بين الحق الدستوري ونزع الملكيـة الخاصة ..دمشق القديمة نموذجاً

ثورة أون لاينمحمود ديبو:

منذ أيام تداعى جزء من سور دمشق القديمة وانهار وبدأ البحث عن أسباب ذلك، هل هو تسرب الصرف الصحي أم إن هناك أسباباً أخرى..!!
وطبعاً كالعادة شكلت لجان للسبر والدراسة ووضع تقرير بالحالة الفنية والهندسية وإمكانيات الترميم والتدعيم وما إلى ذلك..
هذه الحالة تكررت كثيراً في دمشق القديمة ومن يتسنى له القيام بجولة داخل المدينة القديمة قد يتمكن من المرور بعدد من المباني والمنازل الأثرية التي تعرضت للانهيارات والتداعي سواء بجزء منها أم بمعظمها، ولعل القاسم المشترك بين كل ذلك هو أنها عقارات مستملكة لجهات عامة منذ عشرات السنين...!
وإلى الآن تجد من يسأل لماذا لا تتم صيانة تلك الدور والخانات والمواقع المستملكة، ولماذا تترك وتهمل لتصل بها الحال إلى ما هي عليه الآن...؟!!

للإجابة عن مثل تلك الأسئلة وغيرها ذهبنا للبحث في الاتجاه الذي تقاطعت عنده الآراء وهو الاستملاك بشكله الحالي والنصوص التشريعية والقانونية التي تحكم العلاقة (الاستملاكية) إذا صح التعبير ما بين المالك والجهة المستملكة وما بين العقار نفسه...!!
فإلى الآن ما يزال الحديث عن الاستملاك يثير جدلاً وتساؤلاً حول ضروراته وأهميته وبعد انقضاء عقود من الزمن تتجدد إشارات استفهام حول ضرورة استمرار العمل به في ضوء جملة من النتائج السلبية التي أفرزها الاستملاك في عدد من المواقع التي وقع عليها...
ومنها دمشق القديمة تلك المدينة التي لا تنام والمشهود لها بأنها أقدم مدينة مأهولة في التاريخ...

في دمشق القديمة العديد من المواقع والعقارات والمنازل المستملكة منذ عشرات السنين، لأغراض النفع العام كما هو وراد في كل قرارات الاستملاك التي نفذت على مختلف المواقع... إلا أن حال الغالبية من تلك المواقع والعقارات اليوم لا يسر خاطر لجهة الحالة الفنية والعمرانية للأبنية والتي تهالكت مع مرور الزمن وتهدمت أجزاء منها إن لم يكن كلها..
ومن يومها إلى الآن لم تهدأ الدعوات والمطالب وربما هناك من رفع الصوت بضرورة إنقاذ ما تبقى من تراث هذه المدينة وكنوزها المهمة التي بدأت تضيع وتتغير معالمها وملامحها بسبب الإهمال وعدم الصيانة والترميم المطلوب..
وفي هذا يقول الدكتور محمد الحسين رئيس مجلس الدولة السابق إن قانون الاستملاك يقوم على ثلاثة أركان هي محل الاستملاك، والهدف منه، وآلية التعويض، وهو موجود في مختلف دول العالم ويتأثر بالثقافة القانونية للدولة، بمعنى أن موضوع التعويض الذي يعطى لمن يتم استملاك أرضه أو عقاره يتم حسابه بشكل دقيق ومدروس ومنطقي..
وفي سورية يقوم الاستملاك على مفهومين متناقضين الأول هو الحق المقدس للملكية الخاصة، والثاني هو نزع الملكية جبراً من قبل الإدارة، فالملكية الخاصة مصونة بالدستور والقوانين ولا يجوز النيل منها إلا عن طريق الاستملاك الذي هو وسيلة قانونية أوجدها الدستور والقوانين المتعددة ويكون بقرار إداري، حيث تستطيع الإدارة أن تستملك جبراً وتنتزع الملكية الخاصة على محل أو عقار أو...وقد صدر في العام 1978 مرسوم جمهوري استثنى من الاستملاك الأراضي إذا كانت مروية أو مشجرة أو محررة أو فيها منشأة..
سيف مسلط على رقاب أصحاب الحقوق
ورغم ذلك يرى الدكتور الحسين أن الاستملاك آثم وهو سيف مسلط على رقاب أصحاب الحقوق رغم أنه يقع بهدف النفع العام، أي عندما يكون هناك مشاريع ذات نفع عام كالطرق والجسور والحدائق أو السدود أو المناطق والمدن الصناعية أو إقامة مدينة مخططة ومقسمة ومجزأة أو إقامة أحياء جديدة...
وهنا نجد أن قضية (النفع العام) هي شماعة وليست حقيقية ذلك أن الكثير من الاستملاكات عشوائية وظالمة والدليل أنه لم ينجز الكثير من المشاريع التي تم الاستملاك لأجلها أو بهدف إقامتها، ولذلك فإن (النفع العام) هي كلمة مطاطة، وهناك أمثلة كثيرة عن أراض وعقارات تم استملاكها ولم يتم إنجاز أي مشاريع فيها وهذه تسمى عقارات معطلة لأنه بعد وضع إشارة الاستملاك عليها لا يعود بمقدور المالك الأصلي أن يستفيد منها أو يتصرف بها..
كذلك فإن قانون الاستملاك أعطى للعديد من الجهات الحق بأن تستملك..وفيما يتعلق بذلك يرى الدكتور الحسين أنه من الضروري أن يكون هناك جهة واحدة هي التي تستملك وتقوم بدراسة مركزية للاستملاك، لا أن يبقى الأمر متاحاً لكل جهة تستملك وحدها، كذلك بالنسبة للتعويض فإنه في وضعه الحالي مؤلم وغير منصف ولا يولد ثقة بين المواطنين والجهة العامة على الرغم من أن المادة 15 من الدستور الحالي تنص على ضرورة أن يحصل صاحب العقار المستملك على تعويض بالقيمة الحقيقية للعقار أو الأرض، إلا أن الآلية الحالية المعمول بها لا تحقق هذا الجانب، حيث يتم تقدير التعويض من قبل لجنة تشكل لهذا الغرض وتقدر حجم التعويض وقيمته، ويجوز الطعن بها أمام لجنة إعادة النظر المشكلة في المكاتب التنفيذية بالمحافظات ويرأسها قاض وقرار اللجنة قطعي ومبرم، وهنا السؤال.. لماذا يكون قرارها قطعياً ومبرماً..؟؟
الدكتورالحسين يرى ضرورة في إعادة الحسابات في عملية الاستملاك ذلك أن ما نحتاجه هو استملاكات معقلنة ومدروسة وتلبي الحاجة وتحقق الهدف منها، مع التركيز على الالتزام بالمادة رقم /15/ من الدستور فيما يتعلق بالتعويض عن الاستملاك لأن المعمول به حالياً يخالف المادة، والتأكيد أن يتم التعويض من لحظة وضع إشارة الاستملاك وليس من تاريخ صدور قرار الاستملاك لأن هذا يضر بالمالك بالنظر إلى أنه كثيراً ما تأخرت صدور مراسيم الاستملاك علماً أن الإشارة تكون موضوعة قبل سنتين أو ثلاث أحياناً...
والأهم من هذا كله تساءل الدكتور الحسين قائلاً: بعد انتفاء صفة النفع العام عن بعض الأراضي المستملكة أو العقارات لماذا تبقى ملك للدولة، ولماذا لا تعاد إلى مالكها الأصلي..؟؟؟
الاستملاك معضلة قانونية

أيمن سليمان مدير الشؤون القانونية في المديرية العامة للآثار والمتاحف وصف الاستملاك بأنه مشكلة ذات بعد أخلاقي وبعد قانوني بالوقت نفسه ذلك أن الغاية الأساسية من الاستملاك هي خدمة النفع العام، وعندما يقع الاستملاك ولا تنفذ غاية النفع العام ولا يتم تحديد دقيق لمعايير النفع العام والالتزام بها عندها نكون أمام مشكلة أخلاقية لأنه هنا نكون قد نزعنا ملكية خاصة من الأفراد مقابل تعويض لا يكون عادلاً أحياناً، دون أن تنفذ الغاية من نزع الملكية وبالتالي لم تتحقق خدمة المجتمع..لذلك نقول هنا إن الاستملاك معضلة أخلاقية.
ومن جهة ثانية يبدو الاستملاك معضلة قانونية ذلك أن قانون الاستملاك النافذ حالياً والصادر بالمرسوم رقم 20 عام 1983 لا ينص على أن تعاد العقارات المستملكة لأصحابها في حال زوال صفة النفع العام عن الاستملاك.. وفيما يتعلق باستملاكات دمشق القديمة لفت سليمان إلى أن هذه المدينة هي جزء من تراث الإنسانية ولا يمكن إغفاله وعلينا جميعاً أن نحافظ عليها، مشيراً في هذا إلى معادلة يجب أن تتحقق وهي أنه في عملية الحفاظ على التراث لا بد من تحقيق التوازن بين الاستخدام والحفاظ، وهي معادلة صعبة لكن يجب أن نسعى للوصول إليها من خلال تعاون كافة الجهات، وبصراحة يقول سليمان نحن نفتقر لهذا الأمر حالياً وبعض مدننا تفقد جزءاً من هويتها على مرأى من أعيينا نتيجة عدم وجود مخطط إدارة واضح يوزع المسؤوليات بين جميع الأطراف وهذه نقطة مهمة وملحة جداً، وأيضاً يتطلب الأمر إقرار سياسة وخطة وطنية فيما يتعلق بالمدن القديمة للمحافظة عليها.
وبرأيه فإنه من المهم دائماً أن نسأل هل حقق الاستملاك غاية النفع العام؟ إن لم يحققها فهناك مشكلة ويجب أن يكون لها حل منصف لمن نزعت ملكيته بشكل جبري. وعن دور مديرية الآثار والمتاحف في عملية الاستملاك وتطبيقها لقانون حماية الآثار النافذ بين سليمان أنه جرى تقييم تجربة المديرية العامة للآثار والمتاحف وخلصنا إلى نتيجة مفادها أننا لن نوسع دائرة الاستملاك، ولن يكون هناك استملاك لمصلحة المديرية إلا في حال تأكدنا بشكل كامل من الحاجة للاستملاك.. ذلك أنه وفي الفترات السابقة جرت عدة استملاكات ولم تكن الدراسات دقيقة ومتكاملة، وقد استفدنا من الأخطاء وقلنا إنه في حال لم يكن ملف الاستملاك مستوفياً لأسبابه الموجبة والمقنعة فإننا لن نقوم بذلك، وحالياً ليس لدينا عقارات كثيرة مستملكة، لكن نحن كمؤسسة حكومية مسؤولة عن إدارة التراث الثقافي، ليس بالضرورة أن نضع يدنا على العقارات لكي نحافظ عليها، وقانون الآثار النافذ منع ترميم أي عقارات إلا بعد موافقة السلطات الأثرية ووفق اشتراطات محددة تحافظ على طرازنا المعماري وهو الأهم بما يضمن الحفاظ على هوية المدن والنسيج العمراني الأثري.
وبخصوص تعديل قانون الآثار الحالي بين سليمان أنه تم البدء منذ عام 2008 وبعد جهد استمر لثلاث سنوات متتالية تم إنجاز مشروع قانون لحماية التراث الأثري في سورية وندعي أن هذا المشروع يحافظ بشكل كبير على تراث سورية، ذلك أنه حالياً يعاني التراث الأثري في سورية من ثغرات قانونية حقيقية في الهيكل التشريعي، وقد حاولنا من خلال مشروع القانون الجديد تجاوز تلك الثغرات، لجهة مواءمته مع الاتفاقات الدولية ولجهة دعم مشروع القانون بمصطلحات جديدة، والقضية الأهم هي وضع معايير لمخطط الحفاظ ولقضية التملك وتداول الآثار، وخلال فترة الإعداد لمشروع القانون عقدنا ورشات عمل كثيرة واستمعنا إلى وجهات نظر مختلف الأطراف من مواطنين وجمعيات أهلية وسكان محليين، واستفدنا مما تطور إليه الفكر التشريعي العالمي في معظم دول العالم وكذلك المنظمات الدولية (اليونسكو - الأليسكو) لإدراجها كنصوص ضمن التشريع وبما يتلاءم مع البيئة المحلية، ولكن إلى الآن لم يصدر مشروع القانون ونأمل أن يُبصر النور قريباً ما سيسهم بشكل فعال بتقوية إطارنا القانوني لحماية تراثنا الثقافي.
تدهور النسيج العمراني
المهندس عصام نشواتي مخطط مدن وعضو الهيئة التدريسية للمعهد العالي للتخطيط الإقليمي يرى أنه لا بد أن نعود إلى أصل المشكلة في ما يحدث بدمشق القديمة، ذلك أن الاستملاك هو أحد الأسباب في تدهور النسيج العمراني في داخل المدينة القديمة ولكن ليس هو الوحيد، فهناك العديد من الأسباب والتي منها جملة من الأحداث التي شهدتها المدينة كالحريق الذي أصاب الجامع الأموي عام 1893 والحريق الكبير الذي أصاب منطقة سيدي عامود (الحريقة حالياً) في العام 1935، وحريق سوق الصاغة عام 1959واستملاكات حي الحمراي عام 1960، واستملاكات الدفاع المدني والمدارس إلى أن تم وضع مخطط ايكوشار عام 1968، ثم السماح بالهدم وإعادة البناء في بعض المحاور بدمشق القديمة، إلى أن تم تسجيل المدينة القديمة ضمن السور في قائمة التراث العالمي (اليونسكو عام 1976)، ثم هدم سوق المسكية وكشف واجهة الجامع الأموي عام 1984، وبدء دخول الاستثمار السياحي مع مطلع التسعينيات من القرن الماضي، ومن ثم وضع المخطط التوجيهي للمدينة عام 1996، ومؤخراً في العام 2016 حريق سوق العصرونية...ولا ننسى العوامل الطبيعية التي منها فيضان نهر بردى وتضرر المنازل والبنى التحتية من ذلك..
وعن واقع الاستملاكات في المدينة القديمة يوضح المهندس نشواتي أن جميعها مجمدة ولم ينفذ منها أي مشروع باستثناء ساحة الجامع الأموي وقد ساهم تسجيل المدينة على لائحة التراث العالمي في منع تنفيذ المشاريع التي نفذ الاستملاك لأجلها، ومنها حي الحمراوي والمدارس، ومعظم المباني في حالة فيزيائية سيئة جداً وتحتاج لترميم سريع بسبب عدم القيام بأعمال صيانات دورية لها أو ترميمها أو اعتماد آلية للحفاظ عليها من السقوط، إلى جانب أن بعض العقارات المستملكة تتعرض لتعديات مستمرة على المناطق الخضراء مثل مشروع البارك الشرقي المتوقف منذ عام 1968 وإلى الآن لم ينفذ المشروع ولم يستملك والتعديات مستمرة عليه..
وتاريخياً فقد طبقت في سورية 4 قوانين استملاك منذ العام 1855 مروراً بالعام 1879 إلى 1946، إلى القانون رقم 20 لعام 1983 الذي ما يزال معمولاً به إلى وقتنا الحالي...
وعلى الرغم من أنه يرى في الاستملاك جانباً إيجابياً لجهة تمكين الدولة من تنفيذ مشاريع النفع العام الحيوية كالسدود والطرق وغيرها، إلا أن آلية تحديد قيم التعويض عن الاستملاك فيها هضم لحقوق المواطنين لأن التخمين بالسعر الحقيقي غير ممكن بالنظر إلى أن هذا سيكلف الدولة أعباء مادية هائلة، لكن كان يمكن أن يكون التعويض أكثر إنصافاً بحيث يتم طرح حلول بديلة عن التعويض القليل مثل إعطاء المالكين أراضي زراعية في مواقع أخرى أو التعويض لهم بما يوازي ما استملك منهم في مناطق أخرى..
وكذلك يعتبر المهندس نشواتي أن الاستملاك هو أسلوب الكسالى، فبدلاً من أن تقوم الوحدات الإدارية بإقامة مناطق تنظيمية ومناطق تخطيطية، تلجأ إلى عملية الاستملاك، وهنا لا بد من إعادة النظر بمفهوم النفع العام وآليات تقدير التعويض وفقرة الربع المجاني الجائرة التي تؤخذ من المالك والتي لا يتم التعويض له عنها بموجب قانون الاستملاك الحالي، ولذلك لا بد من وضع رؤية إستراتيجية جديدة تراعي المعطيات الحالية والمستقبلية في دمشق القديمة لوضع برنامج للمحافظة عليها وتطويرها..إلى جانب ضرورة تفعيل عمل هيئة دمشق القديمة وتخصيصها بموازنة لتسهم في حل إشكاليات المدينة وفق سلم أولويات منها إيجاد الصيغ التي تشجع الأفراد على ترميم منازلهم وفق أسس علمية تضعها الهيئة، ووضع خطة إسعافية لدمشق القديمة بهدف تطوير البنية التحتية فيها والتي تحتاج إلى موازنة استثنائية بهدف النهوض بواقع مرافقها وشوارعها وأزقتها...
وبكل حال يقول المهندس نشواتي إن الاستملاك لا يعني بحال من الأحوال إخلاء المنازل المستملكة من أصحابها أو ساكنيها، لذلك يجب مراعاة أن يبقى الساكنون للمحافظة على المنازل والعمل باستمرار على ترميمها وصيانتها وضمان عدم تعرضها للتهدم والتهالك...
حياة الحسن مديرة دمشق القديمة (مكتب عنبر) تحدثت عن الوضع الراهن للاستملاك داخل المدينة القديمة مبينة أن المساحة الإجمالي للأبنية المستملكة تبلغ 226155 متراً مربعاً، مبينة أن مساحات الاستملاك الفائضة عن الحاجة (لتوسعة الطرقات ولمشاريع لم يتم تنفيذها) خلقت أوضاعاً سيئة والأبنية المهجورة تدهورت إنشائياً وتم تصنيفها على أنها ذات حالة بنيوية وبيئية خطرة.
وتتوزع المساحات المستملكة حسب عائديتها للجهات الرسمية المستملكة:
وزارة الثقافة (46469) متراً مربعاً، ومنها بيت السقا أميني استملك عام 1976 للمحافظة عليه أثرياً.
وزارة التربية (41010) أمتار مربعة، وهي مجموعة من الشرائح السكنية وعدد من الدور التراثية الأثرية المهمة استملكت بهدف بناء مدارس، تم ترميم بعضها وإعادة استخدامها كمدارس، وأصحاب البيوت السكنية تحولوا إلى شاغلين ما دفعهم إلى عدم الترميم وصيانة هذه الدور بالنظر إلى أن قانون الآثار لا يسمح بذلك إضافة إلى أن وضع إشارة استملاك تحول دون إمكانية تصرفهم بالأبنية التي يشغلوها، وغالبية الدور غير المرممة والمستخدمة بحالة إنشائية سيئة أو متداعية، ومنها مدرسة أم الفضل مئذنة الشحم استملكت بتاريخ 1985.
وزارة السياحة (1100) متر مربع، فقط خان الرز المستملك في العام 1986.
هيئات الدفاع المدني (37209) أمتار مربعة، وهي عبارة عن عدد من الشرائح السكنية والدور وأجزاؤها تم استملاكها لغاية توسعة طريق، فتح منفذ، إنشاء ملجأ، وأغلبية هذه الاستملاكات غير منفذة ما سبب جمود المنطقة وأعاق استثمارها تجارياً وسياحياً، والملاجئ بحالة إنشائية سيئة نظراً لعدم صيانتها واستخدامها، منها المصبنة المستملكة منذ عام 1969.
وزارة الأوقاف (11310) أمتار مربعة، استملاك لتوسيع مقام السيدة رقية بمساحة 3473 متراً مربعاً واستملاك توسعة محيط الجامع الأموي بمساحة 6730 متراً مربعاً إضافة لعدة عقارات متفرقة ضمن المدينة القديمة.
محافظة دمشق (45217) متراً مربعاً، استملاك مجموعة المباني كالخانات والمدارس والبيوت الأثرية لغاية الحفاظ عليها وهي (بيت سعيد القوتلي، بيت حورانية مستملك منذ عام 1974، بيت نظام استملك عام 1974، بيت السباعي، وبيت القوتلي، بيت العوف،..)، واستملاك حي الحمراوي (لتنفيذ التخطيط حول سوق الصاغة) دون القيام بأعمال الترميم فيه مما أدى لتراجع الحالة الإنشائية لبعض العقارات السكنية.
وهناك استملاكات حديثة لم يمض عليها زمن طويل منها استملاك لصالح محافظة دمشق وهو العقار رقم 133 - 134 من المنطقة العقارية يهود (بستان سكر) لغاية إنشاء حديقة عامة، واستملاك بيت المجلد في القيمرية لصالح وزارة الثقافة في العام 2013 بهدف تنفيذ أنشطة ثقافية، وكذلك استملاك مدرسة جميلة الأنصارية لصالح وزارة الثقافة عام 2018 لتنفيذ مشيدة عامة - مركز ثقافي.
حي الحمراوي
وبخصوص حي الحمراوي تشير المعطيات إلى أنه صدر القرار 281 لعام 1960 القاضي باستملاك حي الحمراوي بغية تنفيذ التخطيط وإنشاء أسواق تجارية حديثة (سوق الصاغة) حول المسجد الأموي ويعد ذا نفع عام وصفة مستعجلة استملاك العقارات، وشمل الاستملاك 74 دار سكنية و56 محلاً تجارياً
صدر قرار المكتب التنفيذي رقم 432 تاريخ 16/7/1997 بالطلب من مديرية الشؤون الفنية ومديرية الشؤون القانونية بإعداد مشروع لإلغاء الاستملاك عن تلك العقارات.
اللجنة المشكلة بقرار محافظ دمشق رقم 1352 تاريخ 1997 والتي توصي باتخاذ الإجراءات التنفيذية لرفع لاستملاك عن المنطقة المذكورة لمتابعة مشروع إلغاء الاستملاك الذي يحقق فكرة الحفاظ على تراث مدينة دمشق الحضاري والأثري والتاريخي.
وفي عام 2002 تم تشكيل لجنة قضائية لتقدير قيمة العقارات السكنية.
وصدر قرار مجلس الوزراء بتاريخ 12/4/2006 المتضمن عدم الموافقة على إلغاء الاستملاك لتجنب مضاعفات اجتماعية واقتصادية بسبب وجود سبعة شاغلين فقط من الشاغلين القدامى.
وفي عام 2013 وافق مجلس الوزراء على مقترحات محافظة دمشق لمعالجة موضوع استملاك حي الحمراوي المتضمنة:
بيع العقارات لمن يرغب من المالكين على وضعها الراهن وفق الأسس التالية:
العقارات التي قام مالكوها بقبض قيمة حصصهم من بدل الاستملاك البيع باعتماد التخمين المعد من قبل اللجنة المشكلة في محافظة دمشق برئاسة قاض بموجب القرار رقم 2497 لعام 2003.
المالكين الذين لم يقوموا بقبض استحقاقاتهم من بدل الاستملاك: البيع بقيمة التقدير التحكيمي والمودع في مصرف سورية المركزي مع استيفاء فائدة قدرها 9% سنوياً من تاريخ الإيداع وحتى تاريخ التسديد.
الطلب إلى مصرف سورية المركزي لإعادة بدلات الاستملاك المودعة لديه إلى محافظة دمشق فيما يتعلق بالاستملاكات المذكورة والتي سقطت بالتقادم واعتبارها كدفعة من المالكين عن المبالغ المستحقة عليهم.
منح الشاغلين واضعي اليد ميزة السكن البديل في حال لم يتقدم أي مالك بطلب شراء حصته خلال فترة ثلاث سنوات، وتدفع المحافظة لهم تعويض إخلاء يتم قيده كدفعة أولى من قيمة السكن البديل المستحقة عليهم.
إعفاء المشغلين من بدلات الإيجار عن الفترة السابقة وحتى تاريخ الإنذار أو البيع واعتبار فترة تشغيلهم بمثابة استضافة.
منح المالكين مدة ثلاث سنوات كحد أقصى لاستكمال إجراءات الشراء ويذكر في عقد البيع التزام المالك بإعادة الترميم خلال مدة خمس سنوات وتوضع إشارة على صحيفة العقار بتنفيذ الترميم خلال المدة المذكورة تحت طائلة التنفيذ وتحصيل المبالغ المترتبة على ذلك من المالكين.
وفي عام 2017 تم تشكيل لجنة للكشف على الحي وبيان أسماء الشاغلين الحاليين الذين لا يزال إشغالهم مستمراً منذ صدور الاستملاك حتى تعرض على المكتب التنفيذي، وتبين أن هناك 13 مالكاً مستمراً في إشغاله حتى تاريخه، و17 من الشاغلين المستأجرين عند صدور الاستملاك ومستمر إشغالهم، و49 من الشاغلين الحاليين من غير الفئتين السابقتين بحكم وضع اليد أو الاستئجار بعد صدور الاستملاك.
وبشكل عام ترى حياة الحسن أن للاستملاك وجهاً إيجابياً عندما تتم تنفيذ قرارات الاستملاك حيث سيؤدي ذلك إلى تحسين البنية الإنشائية والمعمارية لبعض العقارات، وإتاحة إمكانية تقديم بعض الخدمات الأساسية في موضوع الخدمات العامة (إسعاف، إطفاء، نظافة، نقل، وخدمات أخرى) عند تنفيذ فتح المنافذ، تغيير وظيفة العقارات من سكنية إلى وظائف عامة جديدة (مدارس، مبان حكومية، وملاجئ)، ولكن بالمقابل نجم عن ذلك ارتفاع نسبة الهجرة لعدم أخذ العامل السكني بعين الاعتبار وهذا أحد أهم الآثار السلبية للاستملاك.
أما في حال عدم تنفيذ قرارات الاستملاك فإن النتائج الناجمة عن ذلك تتمثل بعدم ضمان الملكيات، وانعدام الاستقرار الاجتماعي والهجرة إلى خارج المدينة القديمة، وعدم ترميم وصيانة العقارات وتراجع بنيتها الإنشائية، وتقسيم العقارات وتغيير طابعها المعماري، وإهمال المناطق المستملكة وتهالك البنية التحتية وظهور المشاكل الصحية والبيئية، كما أن تغيير وظيفة العقارات المستملكة من سكنية إلى وظائف أخرى لا تحقق الهدف الذي استملكت من أجله وهو تحقيق النفع العام، ما أدى إلى انتفاء غاية الاستملاك.
وعليه ترى الحسن من جملة المقترحات التي قدمتها لمعالجة المناطق المستملكة أن يتم تجنب الاستملاك مستقبلاً، ودراسة تطبيق القرارات الحكومية التي تنص على استرداد المالك لملكية عقاره في حال عدم تطبيق غاية الاستملاك خلال مدة معينة.
وإعادة النظر في توظيف العقارات المستملكة المهملة التي لا تؤدي غرض استملاكها، وإعطاء الأولوية لترميم وإعادة تأهيل العقارات المستملكة والمسكونة ذات البنية الإنشائية السيئة والخطرة على السلامة العامة.
وكذلك الحفاظ على السكان القاطنين ضمن العقارات والأحياء المستملكة، وضرورة توظيف بعض المباني المستملكة لتأمين الخدمات اللازمة لتنمية المدينة ضمن مفهوم النفع العام وضمن غاية الاستملاك، إلى جانب وضع قانون خاص بالاستملاك في منطقة دمشق القديمة داخل وخارج السور يأخذ بعين الاعتبار خصوصية هذه المناطق.
من جانبها المهندسة إيمان سمارة من مديرية دمشق القديمة أوضحت أن الخطر الحقيقي في دمشق القديمة يكمن في البنية التحتية ولا يمكن وضع رؤية للحل قبل معالجتها والانتهاء من كل مشكلات البنية التحتية، مشيرة إلى أن هذا الأمر كان يدرس في محافظة دمشق منذ عقود لكن حتى الآن لم يطبق، وبخصوص المخطط التوجيهي فقد كان العمل جارياً عليه وفي العام 2011 تم التوصل إلى مراحل متقدمة في وضع أمور تفصيلية كثيرة منها محددات الترميم والمعايير وغيرها، ولكن كل هذا توقف خلال سنوات الحرب على سورية، وقد تم إنشاء صندوق لإعادة تأهيل دمشق القديمة (مؤسسة التمويل الصغير) لمنح قروض بسقف مليون ليرة وبقسط شهري 20 ألف ليرة لمن يريد أن يعمل على الترميم ولكن كل ذلك توقف خلال السنوات الماضية..
وخلال ورشة العمل التي أقامتها لجنة التراث في فرع دمشق لنقابة المهندسين مؤخراً جدد المشاركون قرع ناقوس الخطر الذي يتهدد التراث المادي في مدينة دمشق القديمة والناجم عن الاستملاكات المنفذة على العديد من المباني الأثرية والتراثية والمنازل والخانات وغيرها..
ودعا المشاركون إلى ضرورة الإسراع في عملية إيجاد حلول لإنقاذ ما تبقى من الإرث التاريخي لمدينة دمشق القديمة بعد ما أصاب العقارات المستملكة من تهدم جزئي أو شبه كلي، نتيجة عدم القيام بترميمها واتخاذ إجراءات المحافظة عليها على مدى العقود الماضية التي تم استملاكها خلالها..مع الإسراع بإزالة التعديات الحاصلة على بعضها وسوء الاستخدام الحاصل.
وقال المهندس عبد الناصر عمايري رئيس لجنة التراث في فرع دمشق لنقابة المهندسين إن الجميع معني في موضوع الورشة التي جاءت تحت عنوان (الاستملاك في مدينة دمشق القديمة.. الواقع والمآل) والتي تهدف إلى الوصول إلى إجابة عن سؤال: ماذا يمكن أن نعمل لنحافظ على دمشق القديمة، مضيفاً أنه لا بد من وجود إجراءات إسعافية أولية لبعض المباني المستملكة حتى لا تنهار وتتهدم، معتبراً أنه قد يتفق الجميع على أن الاستملاك يعتبر حاجة ضرورية وملحة في بعض الحالات لكن العملية بحد ذاتها فيها إجحاف ويجب أولاً وقف النزيف الحاصل في دمشق القديمة، أي ألا يعود هناك استملاك في هذه المدينة..
مؤكداً في هذا أن الهدف الأساسي هو المحافظة على الهوية التي تشكل اليوم محور الصراع.. من خلال المحافظة على تراثنا المادي واللامادي..