حاضنـة دمــر المركزيـة للحـرف التراثيـة..أول مشروع تنموي متكامل لحماية التراث السوري

ثورة أون لاين-محمود ديبو:

شكل الإبداع الإنساني على مر العصور واحداً من أهم العناصر الأساسية للذاكرة الحضارية للشعوب والأمم التي تعاقبت على هذه الأرض، وفي كثير من الأحيان يكون الإبداع هو تلبية لحاجات معيشية أو اجتماعية أو اقتصادية انطلاقاً من الظروف الخاصة التي تتميز بها كل حقبة من حقب الزمان..
وتشكل الحرف اليدوية والمهن واحدة من أهم عناصر الذاكرة الإنسانية التي تميز كل حقبة أو مرحلة تاريخية من عمر الشعوب والأمم، وفي بلادنا أبدع الإنسان السوري وابتكر وصنع ورسم ونحت ولون وأنتج مفرداته الخاصة التي ضمنت له مكانة هامة عندما يتم تناول الجهد الإنساني في بناء الحضارات..

وإن كان البعض اليوم ينظر إلى الحرف التقليدية على أنها باتت من ركام الماضي الذي يجب التخلص منه، إلا أن ضرورة الاهتمام بهذا الإنتاج الحضاري المستمر هو مهمة إنسانية قبل كل شيء يجب إيلاؤها كل الجدية وبذل الإمكانات حفاظاً عليها من الاندثار والضياع... فهي تمثل جزءاً هاماً من هوية الإنسان وحضارة الأرض التي نعيش عليها..وهي حلقة من سلسلة تاريخ هذه البلاد وثقافاتها ووجودها.
وانطلاقاً من فكرة الحفاظ على هذا التراث وتأصيله وضمان استمراره على مدى الأجيال القادمة، ولدت فكرة إقامة حاضنة للحرف التراثية تضم بين جنباتها كل السبل والإمكانات وتوفر كل الطاقات التي تحقق الهدف المرجو وهو حماية هذا التراث من الاندثار ونقله إلى الأجيال المتعاقبة كما هو من خلال المحافظة على الحرفيين ونقل خبرات هؤلاء ومهاراتهم وثقافتهم الحرفية عبر عمليات تدريب وتأهيل توفرها الحاضنة..
نتاج بحث علمي

ويوضح لؤي شكو مدير حاضنة دمر المركزية للحرف التراثية: إن الحاضنة هي نتاج فكرة تمثل جزءاً من بحث علمي متكامل بعنوان (التراث السوري بين عراقة الماضي وتحديات الحاضر) وهو بحث نال عليه جائزة الإبداع السوري لعام 2014 وتم تسجيله بموجب قانون حماية الملكية لدى وزارة الثقافة وتم استثماره من قبل الاتحاد العام للجمعيات الحرفية باهتمام ودعم من القيادة المركزية لحزب البعث العربي الاشتراكي..
فكان أن تم الانطلاق بتجهيز الحاضنة وهي أول مشروع تنموي متكامل يهدف إلى منع اندثار الموروث التراثي ويحافظ على استمراريته، ويوفر الظروف المناسبة لخبراء المهنة (شيوخ الكار) للإبداع وتطوير الأفكار والوصول إلى منتجات تراثية بأفكار إبداعية.
أقسام الحاضنة 
وتتألف الحاضنة من عدة أقسام منها أكاديمية الأسد للفنون الحرفية وتتبع للقيادة المركزية لحزب البعث العربي الاشتراكي، إلى جانب مشاغل للحرفيين ودور مزادات ومركز ثقافي وصالة معارض، ومركز تجاري مهمته الترويج والتسويق للمنتج الحرفي في الأسواق المحلية والخارجية.
وتهتم الحاضنة بذوي الشهداء والجرحى من الجيش العربي السوري، فهناك جمعيات تعمل على تدريب هؤلاء على الحرف والمهن التراثية التي تتناسب مع كل منهم.
ومن بين الأقسام الهامة في الحاضنة هناك مركز أبحاث حرفي مهمته تطوير ابتكارات وابداعات الحرفيين، ويهتم بدراسة الجدوى الاقتصادية وربط المبدعين والمبتكرين من الحرفيين بالاستثمار وإنشاء جيل مؤهل فنياً وقادر على الاستمرار بهذه الحرف ودعم سوق العمل، حيث إننا اليوم نواجه ندرة في الحرفيين المهرة.
32 حرفة تراثية
وللحاضنة مجلس إدارة تشرف عليه القيادة المركزية للحزب والاتحاد العام للحرفيين، وتهتم بالتدريب والتأهيل على 32 حرفة تراثية أصيلة منها الموزاييك والنحاس والصدف والزجاج والأغباني والنول وغيرها التي ارتبطت بحياة الإنسان السوري عبر الزمان والتي كانت تلبي احتياجاته المعيشية، وعلى التوازي يتم العمل على عصرنة هذه الحرف من خلال إدخال البرمجة والعلوم الحديثة على الأعمال اليدوية، الأمر الذي يوفر الوقت والجهد والمال ويعطي جمالية تواكب متطلبات العصر دون التعرض للتصميم التراثي الأساسي للحرف.
في مكان واحد
ويقوم عمل الحاضنة على توفير الإمكانية لجمع مختلف شيوخ الكار والحرفيين في مكان واحد، الأمر الذي يؤدي إلى توليد أفكار جديدة من خلال هذا التلاقي والتقارب والوصول إلى مشاريع جديدة، وبمجرد الانطلاق بهذه الحاضنة وتعزيز مكانتها بحيث تصبح حاضنة مركزية دولية ستتم إقامة فروع لها في كل محافظة سورية بحيث يصبح الاهتمام بالتراث المحلي لكل محافظة ومدينة والعمل على الحفاظ على الموروث الثقافي وإبراز خصوصيته ومكانته في حياة المجتمعات، ومن هنا يصبح من السهل توفير الدعم للمشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر على امتداد الوطن وفي كل مدينة وقرية وبذلك يتحقق التكامل في تطوير الحرف التراثية والنهوض بها.
هوية خاصة
وفـي خطوة لاحقة وبعد توثيق الموروث الثقافي ودعمه وضمان استمراريته من خلال تدريب كوادر على الحرف اليدوية، سيكون هناك سعي لاستثمار هذا الموروث الذي تشتهر به سورية من خلال إنتاج قطع حرفية من مختلف الحضارات التي تخص التراث السوري من الحقب الماضية، فسورية لديها إرث تراثي للعديد من الحضارات التي مرت على أرضها، وهي غير مستثمرة بالشكل المطلوب، لجهة إعطائها الهوية السورية، كما هو حاصل مثلاً في القطع الحرفية التراثية للحضارة الفرعونية في مصر، أو حضارة بلاد الرافدين في العراق، ونحن يحق لنا أن نستثمر ذلك ونعطي حرفنا التراثية الهوية السورية التي تعرف بها في أي مكان من العالم.
السجل الوطني للتراث
والخطوة الهامة أيضاً التي يجري العمل عليها هي السجل الوطني للتراث الحرفي الذي يشكل حاجة ضرورية لتوثيق التراث السوري وحفظه، ويجب أن نعمل على إيجاده، فهو يسمح بتسجيل المنتج الحرفي ويأخذ رقماً وتاريخاً ويوثق بحيث يصبح بإمكان الحرفي السوري عرض ما ينتجه من قطع تراثية في أي مزاد عالمي دون الحاجة لوسيط أجنبي، بعد أن يكون حصل على صك ملكية وتأمين ويسجل باسم الحرفي، وهذا من جهة يعود بالفائدة على الخزينة العامة للدولة من خلال رسوم التسجيل والتوثيق، ومن جهة ثانية يستفيد الحرفي من خلال سعي المستثمرين للتعاقد معه على إنتاج قطع تراثية ذات صبغة سورية ومسجلة في السجل، مع الإشارة هنا إلى أنه بعد مضي 200 عام على صنع القطعة تصبح قطعة أثرية وهذا يعطيها قيمة مضافة وبالتالي يتضاعف مردودها المادي..
ترويج وتعليم
ويشير شكو إلى أنه ومع الإقلاع بالعمل سيتم رصد الأداء ومراقبة الأخطاء التي قد تحصل، ليتم تجاوزها والانطلاق نحو آفاق أوسع للعمل الحرفي المدعوم بالترويج والتعليم وهو صلب عمل الحاضنة المركزية وباقي الحواضن التي سيتم إحداثها في المحافظات وخارج القطر أيضاً.
أكاديمية الأسد للفنون التراثية
ماهر المولى رئيس لجنة أكاديمية الأسد للفنون التراثية في الحاضنة المركزية قال: إن البحث العلمي الذي تقدم به المهندس لؤي شكو اعتبر المرتكز العلمي الذي تم الاعتماد عليه لتأسيس الأكاديمية بوصفه يضع منهجاً علمياً محدداً للحفاظ على التراث، وهذا ما كانت تبحث عنه القيادة المركزية لحزب البعث العربي الاشتراكي التي تبنت المشروع من أساسه ورعته ولاتزال تسعى لإنجاحه وتطويره وتقديم كل ما يلزم، عملاً بالتوصية التي تنص على الحفاظ على التراث الوطني وحمايته وضمان استمراريته.
ومع البدء بإنشاء الأكاديمية التي تعنى بنقل الموروث الحرفي من الأجداد إلى الأحفاد، تبين أن هناك الكثير من الخطوات التي يجب القيام بها مثل العمل على مواءمة الدراسة مع القوانين والتشريعات النافذة واستصدار ما يلزم لخدمة هذا المشروع، واتجه النظر نحو تأمين العامل الأساسي والرافعة الحقيقية للأكاديمية وهو (المعلم أو المدرب) الذي سيقوم بنقل الخبرة والمعرفة إلى المتدربين، وبذلك تم إحداث مجلس شيوخ الكار الذي يضم أصحاب الحرف والمهن التراثية القائمين على العمل والممتلكين للخبرات والمهارات العالية في مجالات العمل الحرفي، وهؤلاء التزموا مع الأكاديمية بتقديم خبراتهم ومعارفهم المهنية وتعليم الحرف ونقل سر المهنة للمتدربين والراغبين بالعمل في الحرف التراثية.
وجاء تأسيس الحاضنة المركزية للحرف التراثية ليضم كلاً من أكاديمية الأسد للفنون الحرفية ومجلس شيوخ الكار، وما تم إحداثه لاحقاً (مركز الأبحاث الحرفية، دور للمزادات والمعارض، جمعية لدعم ذوي الشهداء وجرحى الجيش العربي السوري..)، وتم وضع نظام داخلي للحاضنة يضمن عدم المساس بحقوقها وواجباتها، ويعطي العمل مرونة وسهولة بالتعاقد وتنظيم المعارض والمشاركة فيها، إلى جانب صلاحيات إنشاء حواضن فرعية في المحافظات..
وحول الجانب القانوني والتشريعي أوضح المولى أنه وبعد تأسيس الأكاديمية بدأ العمل والتنسيق لاستصدار صك تشريعي ينظم ويقونن العمل في الحاضنة والأكاديمية وهو مشروع مرسوم إحداث مكتب التراث الوطني الحرفي، والذي من المنتظر أن يصدر قريباً.
ويصف المولى مشروع الحاضنة المركزية بأنه أول مشروع وطني تنموي يأخذ بيد الحرفي السوري من مرحلة التدريب والتعليم واكتساب الخبرات والمهارات إلى مرحلة الإنتاج والتسويق والترويج في المعارض الداخلية والخارجية، وهذا أهم ما كان يحتاجه الحرفي السوري للنهوض بالصناعات والحرف التقليدية التراثية وتشجيعها وتطويرها ونقلها من المحلية إلى العالمية.
وعن مقر الحاضنة الكائن في منطقة دمر بدمشق أوضح المولى أنه يعود لوزارة الصناعة وهو مكان معمل الزجاج الذي تم إغلاقه منذ عام 1981 بسبب النواتج الضارة والمؤذية للصحة العامة وللبيئة التي كانت تنبعث من أبخرة الفيول المتصلب، وأضاف: لقد استلمنا المقر وقمنا بإعادة تأهيله وإشادة أبنية ومقرات جديدة بما يتناسب مع طبيعة الحاضنة وأقسامها بالاعتماد على تقنيات حرفية تراثية تشكيلية، وراعينا وقوعه ضمن حرم نهر بردى فتمت مراعاة النسيج الطبيعي والبيئي للمنطقة من خلال عمليات تشجير وزراعة الساحات وحول المقرات والأبنية.
مع شيوخ الكار
عدنان زهير تنبكجي شيخ كار في مجال الفنون التشكيلية ومهنة النحاسيات وهو أحد شيوخ الكار المشاركين في عمليات التدريب والتعليم التي ستقام في الحاضنة، قال: إن هذا العمل يعيد للمهن الحرفية التقليدية دورها ومكانتها التي كدنا نفتقدها، ويحفز العمل على الاشتغال في هذا المجال، الأمر الذي يفتح الآفاق واسعة أمام افتتاح ورش عمل جديدة لحرفيين تدربوا وتعلموا على أيدي مدربين هم شيوخ كار في مهنهم.
استمرت رغم الصعوبات
وأكد خلال ذلك أن الحرف التقليدية رغم كل ما واجهته وتواجهه من صعوبات وخاصة خلال سنوات الحرب العدوانية على سورية، إلا أن هناك عدداً من الحرفيين لم يتوقف عن العمل، واستمروا في الإنتاج وبقوا مصممين على إبراز الخصوصية السورية في مختلف المحافل المحلية والدولية من خلال المشاركة في المعارض الداخلية والخارجية، مشيراً في هذا إلى ضرورة تثقيف الحرفي وتوجيه اهتمامه لامتلاك ثقافة التسويق إضافة إلى عمله كحرفي، وذلك لحمايته من استغلال بعض التجار والمستثمرين الذين يشترون أعماله بمبالغ تكاد لا تغطي تكاليف الإنتاج، ويقومون ببيعها بأسعار مرتفعة..
ودعا تنبكجي إلى ضرورة الانتباه إلى عدد من الحرف التي تكاد تندثر بعد أن تراجع عدد الحرفيين العاملين فيها إلى واحد أو اثنين في أحسن الأحوال والتي منها حرفة النول والبروكار والزجاج والقباقيب، والمكانس، والأعواد وغيرها، وهذه تحتاج إلى تأمين مستلزمات العمل من قبل جهات ترعى إنعاش تلك المهن بالنظر إلى تكاليفها المرتفعة، مع الإشارة إلى أنها حققت حضوراً لافتاً على مدى عقود طويلة وحظيت بطلب مرتفع عليها في الأسواق الخارجية.