وزارة المالية تطلق مشروع الاصلاح.. ملاحقة المقصرين والمتخلفين..

ثورة أون لاين-ميساء العلي:

يحكى أنه في زمن رئيس الوزراء الهندي نهرو سأله وزير التخطيط حينها بما معناه ما توجهاتكم للخطة الخمسية للبلاد، -وبالطبع الموازنة جزء من الخطة- أجاب رئيس الوزراء الهندي (انظر إلى وجه أفقر هندي وضع خطة بحيث يستفيد منها أفقر هندي).
قد يستغرب البعض أننا نتحدث هنا عن الخطة الخمسية وطبعاً الموازنة جزء منها مع العلم أننا نفتح في ملفنا هذا التهرب الضريبي الذي استفاقت أخيراً وزارة المالية عليه متأخرة لأن أي خطة لا بد لها من تأمين إيرادات سيتم تحصيلها من الضرائب لتمويل بنود خطتها.

فوزارة المالية التي بدأت منذ أكثر من عام ونصف بتعديل النظام الضريبي لتحقيق العدالة الضريبية إلا أنها لم تنتهِ حتى وقتنا الراهن منه قد يكون السبب نيتها بالوصول لنظام ضريبي متكامل يوحد عدداً من الضرائب على سبيل المثال، مع العلم أن هناك معلومات من داخل اللجنة المشكلة لتعديل هذا النظام تؤكد أن اللجنة منذ 6 أشهر لم تجتمع وهناك خلافات بين أعضائها.
الحكومة أنقذت الموقف بدعوة أركان الإدارة الضريبية وكبار المكلفين للبحث في أسباب التهرب الضريبي وانتهى الأمر بإصدار قرار يقضي بتشكيل لجنة تفتيشية من وزارة المالية والهيئة المركزية للرقابة والتفتيش والجهاز المركزي للرقابة المالية للبحث في أسباب التراكم الضريبي غير المنجز لكبار المكلفين في المحافظات وأسباب هذا التراكم لتتم معالجته ومحاسبة المقصرين، وذلك ضمن خطة عمل للمرحلة المقبلة على المستويات القريبة والمتوسطة والاستراتيجية لتطوير عمل الهيئة العامة للضرائب والرسوم ومديريات المال بالمحافظات تتضمن على المستوى القريب إجراء دورات تدريبية وتوعوية للقائمين على التكليف والاستعلام الضريبي والمراقبين وضرورة إعداد نظام حوافز متطور للعاملين وتكليف فعاليات القطاع الخاص برفع مستوى الثقافة والوعي الضريبي عند الأعضاء.
الواضح وجود مشكلة في التعامل الضريبي مع الأثرياء وكبار الممولين، وليس مع الصغار فحجم الذين يدفعون الضرائب من مرتباتهم أكثر بكثير من كبار المكلفين ضريبياً.
للأسف لا يوجد رقم حول حجم التهرب الضريبي إلا أن رقماً كان قد ذكر قبل الحرب قدر حجم هذا التهرب بحوالي 200 مليار ليرة لن ندخل بالأرقام لكننا سنتوجه إلى المشكلة الأساسية لماذا هناك تهرب ضريبي؟.
عدم تطبيق نظام الفوترة مفتاح للتهرب
في سؤالنا لمدير الهيئة العامة للضرائب والرسوم عبد الكريم الحسين عن أسباب التهرب الضريبي قال إن عدم تطبيق نظام الفوترة يعتبر من أبرز الأسباب التي تسهم في انتشار التهرب الضريبي، إضافة لموضوع الأسعار التي يتم إدخال المستوردات بها خاصة أنها أقل من الحقيقة مع وجود تراكمات ضريبية كبيرة.
وأضاف: إن الحكومة قامت بتشكيل لجنة لمعرفة التكاليف الضريبية المتراكمة للتحقيق في أسباب التهرب وهي -أي الحكومة- جادة في محاسبة المتخلفين والمقصرين في دفع التزاماتهم الضريبية.
وللحد من معضلة التهرب الضريبي بين الحسين ضرورة استخدام نظام الفوترة والتسريع بتطبيق أنظمة الدفع الكتروني التي سيتم من خلالها بناء قاعدة بيانات عن المكلفين إلى جانب تأهيل وتدريب العاملين في مجال الضرائب ولا سيما مراقبي الدخل.
وحول وجود رقم حقيقي عن حجم التهرب الضريبي بين أنه لا يمكن إعطاء رقم عن حجم التهرب الضريبي. مشيراً إلى أن القسم الأكبر من الضرائب التي يدفعها كبار المكلفين حقيقية، مثل شركات الاتصالات والمصارف وشركات التأمين وغيرها من كبرى الشركات، وفيما يخص قطاع رجال الأعمال أكد أن هناك تهرباً بسبب عدم وجود فاتورة وإدخال بضائع بطرق غير نظامية.
أكثر من 50 ضريبة ورسماً يدفعها المواطن 
المختصون بالشؤون الضريبية يشيرون إلى أن الضرائب تقسم إلى قسمين لجهة تأثيرها على المواطن، الشريحة الأولى: تضم الرسوم والضرائب التي تفرض بشكل مباشر على المواطن المنتمي لمختلف الطبقات والتي تترك انعكاسات على حياة المواطن صاحب الدخل المحدود وأبرز هذه الضرائب ضريبة الدخل على الرواتب والأجور، ضريبة الأرباح الصافية الناتجة عن ممارسة المهن والحرف الصناعية والتجارية وغير التجارية ورسم الإنفاق الاستهلاكي المفروض على نحو خمس خدمات وحوالي 31 مادة تباع له، هذا فضلاً عن الرسم الخاص بالطابع على العقود والطلبات التي يقدمها ويجريها المواطن في حياته اليومية، كعقد الاشتراك في شركات ومؤسسات المياه - الكهرباء - الهاتف - الاستدعاءات والعرائض المقدمة إلى الجهات العامة بقطاعيها الإداري والاقتصادي والشهادات الرسمية للتعليم الثانوي، والصادرة عن مؤسسات التعليم الخاصة والعقود بجميع أنواعها. بينما الشريحة الثانية فهي متعلقة بالرسوم والضرائب التي تفرض على المكلفين من أصحاب الشخصيات الاعتبارية كمؤسسات القطاع العام وشركاته ومنشآته، المؤسسات المالية وكذلك رجال الوسط الاقتصادي.
واللافت.. مع أن المكلفين هم الذين يدفعون الضريبة أو الرسم إلا أن المواطن والمستهلك لخدماتهم والمتعامل معهم هو من يسددها في النهاية، فالضريبة تدخل في بند (نفقات التكلفة) وفي غالب الأحيان هذه الضريبة تذهب للجيوب الخاصة نتيجة التهرب الضريبي.
وبحسب معلومات من داخل الدوائر المالية فإن عدد الضرائب والرسوم التي يدفعها المواطن السوري أكثر من 50 ضريبة ورسماً وإذا ما أضيفت على رسوم الوحدات الإدارية فالعدد يصل إلى نحو 70 ضريبة ورسماً.
العدالة أساس التشريع الضريبي
الدكتور محمد العموري أستاذ القانون بجامعة دمشق قال للثورة إن المشكلة موجودة في كافة مفاصل العملية الضريبية بدءاً من التشريعات التي لا تتمتع بالوضوح والتماسك والدقة فمثلاً أفضل الأوقات لتحصيل ضريبة الدخل هو وقت الحصول على الدخل.
وشبه التشريع الضريبي على مدى سنوات طويلة بسجادة نظيفة ومرتبة ثم تجد ترقيعاً وتصليحاً هنا وهناك بشكل شوَّه هذه السجادة وخاصة أننا حاولنا بالكثير من التشريعات أن نخفف من دور السلطة التقديرية لمراقب الدخل كي نحد من فساده من خلال تواطئه مع المكلف لكن هذه المعالجة كانت مغلوطة على أرض الواقع.
النقطة الأخرى مسألة الإدارة الضريبية التي تتأثر بالتشريع الضريبي الغامض والتعديل على التعديل كل ذلك جعل هناك صعوبة في فهم هذا التشريع مع غياب نظام أتمتة حديث يربط بين المكلفين والشركات والإدارة الضريبية، إضافة للكوادر البشرية التي تغيب عنها الخبرة والكفاءة وانتشار الفساد بتلك الإدارة وضعف الدخل الذي يحصل عليه المراقب كل ذلك شجع على التهرب الضريبي، ولا ننسى عدم وجود عوامل ردع لجهة تطبيق العقوبات، فنرى أن من يتهرب يكافأ من خلال التشريعات التي تصدر لتعفيه من الغرامات التي تترتب على عدم التسديد في الموعد المحدد، إضافة للعامل الاجتماعي، فالوعي الضريبي بأدنى حالاته فقد أصبح المكلف القادر على التهرب الضريبي شخصاً ناجحاً اجتماعياً لا ينظر إليه نظرة ازدراء، مع العلم في المجتمعات المتطورة ترفع شعارات عند بناء مدرسة أو طريق أو حديقة يكتب عليها هذا حصيلة الضريبة التي دفعتموها لذلك لا بد من رفع سوية الوعي الضريبي.
ويضيف العموري: إن التشريع الضريبي يجب أن يحقق العدالة الضريبية بحيث لا يشعر المكلف أنه يدفع أكثر من طاقته ويقتطع من أرباحه التي تساعده على التوسع بأعماله هذا عامل مهم للحد من التهرب الضريبي.
بعض التشريعات شجعت التهرب
وبالنسبة للقانون 60 الذي حمَّل الضريبة على الأرباح للإدارة التي يتم التعاقد معها وبنسبة واحدة لم تفرق بين عقد للدولة بمئات الملايين أو المليارات بمعنى لا يوجد دفع للضريبة، اعتبره مشوهاً للنظام الضريبي وأكثر من ذلك وسيلة للتهرب مشروعة لا يحاسب عليها.
بالمقابل لم يحِّمل وزارة المالية منفردة مشكلة التهرب الضريبي رغم أنها تتحمل الجزء الأكبر في التحصيل الضريبي مشيراً إلى أن مديرية الجمارك العامة التابعة لوزارة المالية يتم من خلالها التهرب بطرق مختلفة، واقترح أن تطبق إدارة الجمارك قانون الكسب غير المشروع رقم 58 النافذ حتى الآن لكنه غير مطبق بحيث يقدم كل مكلف بياناً بممتلكاته مع تفعيل دور الأجهزة الرقابية.
ولفت إلى الاقتصاد الأسود أي اقتصاد الظل الذي يُذهب مبالغ لا بأس بها على خزينة الدولة، فلو نظم بطرق نظامية لا تكلف أصحاب تلك الاقتصاديات عند الترخيص لأنشطتهم مبالغ إضافية سيحصل منه مبالغ مالية لا يستهان بها.
وتطرق إلى موضوع غاية في الأهمية وهو من صلب عمل وصلاحيات وزارة المالية عند التنفيذ المباشر لجباية الأموال العامة لتحصيل أموال المكلفين الذين يمتنعون عن دفع الضرائب فهذا القانون وإن كان مفعلاً لكنه بشكل جزئي والمشكلة أن وزارة المالية بعد أن تقوم بعمليات الحجز تقصر كثيراً بمسألة بيع الأموال المحجوزة لتحصيل حقوق الدولة من الضرائب رغم أن القانون يسمح لها بعد إعلان البيع بالمزاد العلني لمرتين ولا يتم البيع أن تؤول الملكية للدولة وهذا سيكون له أثر إيجابي في تحصيل مبالغ كبيرة لخزينة الدولة.
قطاع الأعمال يتحدث عن عدالة ضريبية!!
قطاع الأعمال من غرف الصناعة والتجارة والسياحة كالعادة عند الحديث معهم عن التهرب الضريبي يطالبون بإيجاد آليات وتشريعات حسب الوضع الراهن مع ضرورة أن يسدد كبار المكلفين ما عليهم من ضرائب ورسوم والتصريح عنها بالشكل المناسب مع توعية المكلفين وتحقيق العدالة الضريبية وحبذا لو وضعنا أكثر من خط تحت العدالة الضريبية التي يطالبون بها.
إصدار تشريع ضريبي شامل وعصري
الدكتور ابراهيم عدي رئيس قسم المحاسبة بكلية الاقتصاد جامعة دمشق رأى أن النظام الضريبي الحالي والمعمول به في سورية قديم جداً حيث يتم الاعتماد فيه على نظام الضرائب النوعية الذي أثبت فشله وتخلت عنه معظم دول العالم مضيفاً أنه صدور القانون ٢٤ لعام ٢٠٠٣ لم يغير شيئاً كونه لم يدرس بشكل جيد والأمر كذلك بالنسبة للقانون 41 لعام 2005.
وقال إن الإدارة الضريبية هي جزء من الإدارة العامة للدولة ونحن لا نجد إدارة مؤهلة لوضع تشريعات جديدة، وهناك عدم قدرة على إخضاع اقتصاد الظل، وعدم وجود مراكز للإرشاد الضريبي وزيادة الوعي الضريبي، وعدم وجود أجهزة رقابة على مراقبي الدخل، وضعف التنسيق بين الدوائر المالية، كما أنه لا توجد عدالة ضريبية.
واقترح إلغاء نظام الضرائب النوعي واستبداله بضريبة الدخل وضريبة الإنفاق وفرض ضريبة على الثروة وإحداث مراكز دراسات مالية وضريبية مع تحديث الإدارة المالية ورفد وزارة المالية بالعناصر الشابة، والقضاء على المحسوبيات في توزيع مراقبي الدخل، إضافة إلى ضرورة وجود سياسة اقتصادية ومالية واضحة للدولة وللحكومة والتخلص من سياسة كل وزير، إلى جانب إصدار تشريعات ضريبية شاملة عصرية قابلة للتطبيق وواضحة للمكلف ولصاحب الدخل، ووضع عقوبات رادعة للتهرب الضريبي، والتخلص من عقدة سرية المعلومات ووضعها في خدمة الباحثين والاستفادة من الأبحاث العلمية في كلية الاقتصاد، والعمل على التعاون المثمر بين الجامعة والجهات الحكومية، وإصدار تشريع ضريبي خاص بأثرياء الحرب وفرضها عليهم لمرة واحدة.
أخـيــــــراً
الإصلاح الضريبي بات ضرورة ملحة يستحق التعامل معه بجدية لذلك نحن بحاجة إلى فنيين ومتخصصين للانطلاق نحو حركة إصلاحية في هذا القطاع بدون مهادنة لأحد أياً كان بل تسمية المتهرب ضريبياً بشكل علني ضمن القائمة السوداء ولا ننسى بالمقابل أن هناك شركاء من موظفي المالية هم في الحقيقة من يرسمون أساليب التهرب لهم كونهم موظفين لدى القطاع الخاص.
وأخيراً وحتى ننجح بإصلاح قطاع الضرائب لا بد من وجود الثقة والمصداقية بين المكلفين والدوائر الضريبية لما لذلك من دور في الحد من التهرّب الضريبي، لكن ذلك يحتاج إلى قناعة المكلف بدفع الضريبة وأن ما سيدفعه من ضرائب سينعكس على مستوى الخدمات المقدّمة إليه. 
***
أرقــــــام..

في محاولتنا للبحث عن حجم التحصيلات الضريبية خلال العام الماضي لم نعثر سوى على ما نشرته المجموعة الإحصائية للعام 2017 التي أصدرها المكتب المركزي والتي تقول إن صافي الضرائب غير المباشرة (الضرائب - الإعانات) للعام 2016 بلغ نحو 377.2 مليار ليرة.
في حين كان البيان المالي للحكومة عام 2017 قد ذكر أن هناك زيادة في إجمالي إيرادات الرسوم والضرائب بنسبة 27.24% عن العام 2016، بمقدار 69 مليار ليرة مسجلة 322 مليار ليرة، ما يعني أن تقديرات إجمالي إيرادات الرسوم والضرائب في العام 2016 بلغت 253 مليار ليرة، وبالتالي فإن الإيرادات المتحققة من صافي الضرائب غير المباشرة وفق تقديرات المكتب المركزي للإحصاء يزيد بأكثر من 49 % عن الإجمالي المقدر لجميع أنواع الضرائب والرسوم في الموازنة.