اســتمرار جدليــة تحـول الشـركات مـن عائليـة إلـى مسـاهمة...

ثورة أون لاين-محمود ديبو:

تعتبر الشركات المساهمة من أهم الشركات التي تلعب دوراً بارزاً في الاقتصاد الوطني وتعزيز أداء قطاعاته الاقتصادية المختلفة، وذلك من خلال مساهمتها في إعادة توزيع الدخل القومي وتنمية الوعي الادخاري والاستثماري، وبالتالي رفع مستوى معيشة المواطنين من خلال توزيع مكاسب التنمية ونمو الاقتصاد إلى أكبر شريحة من المواطنين حيث تؤمن فرصا مهمة لتوظيف الأموال وتعزيز القاعدة الإنتاجية في البلاد.
ومنذ عام 2007 صدر المرسوم التشريعي رقم 61 المتعلق بأسس تحويل المؤسسات والشركات العائلية والخاصة إلى شركات مساهمة، إلا أنه وحتى الآن لم تتحول بموجبه أي شركة من مختلف الأشكال القانونية إلى شركات مساهمة وهناك أسباب عديدة منعت من تحقيق الغاية المنشودة من صدور هذا المرسوم في حينه، منها أسباب ترتبط بأصحاب الشركات وعدم توفر الرغبة بذلك، ومنها أسباب ترتبط بإجراءات وتعليمات وقوانين الضريبة وغيرها..
معوقات التحول
الدكتور عبد الرزاق قاسم المدير التنفيذي لسوق دمشق للأوراق المالية أشار إلى أن عوائق التحول إلى شركات مساهمة عامة عديدة أولها ارتفاع ضريبة الأرباح الرأسمالية مبيناً أن الأرباح الرأسمالية هي الأرباح الناتجة عن التصرف بالأصول بيعاً أو تصفية أو بطريقة أخرى خارج نطاق النشاط الأساسي للشركة أو الأرباح الناتجة عن بيع حصص المشاركة في رأس المال ويكون الربح الرأسمالي عادة هو الفرق بين القيمة المبيعة والقيمة الدفترية فيما يتعلق بالأصول.
إلى جانب ذلك فإن عدم السماح بتقييم الأصول المعنوية للشركات العائلية ساهم في إعاقة التحول إلى شركات مساهمة، حيث إن المرسوم 61 لعام 2007 نص على أنه يحق لأي شركة إعادة تقويم أصولها وموجوداتها الثابتة بما في ذلك العقارات المستخدمة من قبل المؤسسة أو الشركة بما يتناسب مع قيمها الفعلية بتاريخ إعادة التقويم، ومن مقتضى هذا المفهوم فإن إعادة التقويم لا تشمل الأصول المعنوية، حيث لايسمح للشركات والمصانع المهدمة بإعادة تقييم (الأصول المعنوية: شهرة المحل- براءات الاختراع-العلامات التجارية)، من أجل الاستفادة منها في تأسيس شركة مساهمة عامة.
وشكل غياب العدالة الضريبية سبباً رئيسياً في عدم التحول حيث إن الشركات العائلية وبنتيجة الفساد الموجود تعمد إلى التهرب الضريبي من خلال الامتناع عن التصريح عن أرباحها الحقيقية، في حين أن الرقابة المفروضة على الشركات المساهمة تلزمها بدفع ضريبة أرباح حقيقية تصل إلى 14%.
أيضاً التهرب التأميني الذي تقوم به بعض الشركات العائلية الناتج عن عدم تسجيل جميع الموظفين أو من خلال تسجيل البعض دون البعض الآخر في التأمينات الاجتماعية يحقق وفراً لصاحب الشركة في المصاريف على حساب عدم الاستقرار المادي والاجتماعي للعمال والموظفين.
تعدد الجهات الإشرافية والرقابية على الشركات المساهمة يندرج في إطار إعاقة التحول من شركة عائلية إلى شركة مساهمة أيضاً، وهذا يتسبب بغياب العدالة والمنافسة المتكافئة بين الشركات الموجودة ضمن القطاع الواحد باختلاف شكلها القانوني، حيث يوجد العديد من القيود على الشركات المساهمة العامة بعكس الأنواع الأخرى من الشركات.
بمقابل ذلك فإن تجذر ثقافة الإدارة الفردية والعائلية للشركات يتطلب حملات توعية مستمرة لتغيير هذه الثقافة، كما أن عدم الجهوزية المؤسسية للتحول والذي يتطلب إعادة هيكلة جذرية والالتزام بدليل وضوابط الحوكمة، الأمر الذي يتطلب أن تقوم الجهات الحكومية ذات الصلة باستكمال ما يلزم من الضوابط، وتشكل لجان مختصة، للمساعدة في إعادة الهيكلة عند اللزوم.
53 شركة مساهمة فقط
وفي التفاصيل يشير الدكتور قاسم إلى أن عدد الشركات المساهمة العامة في سورية حتى الآن يبلغ 53 شركة فقط، تعمل تحت إشراف هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية، أي بما نسبته 24٫1 % فقط من إجمالي عدد الشركات المرخص لها في سورية، وهي 14 مصرفا، و7 شركات تأمين، و6 شركات صرافة، وشركتي اتصالات، و11شركة خدمات، و7 شركات زراعة، و6 شركات صناعة.
وبنهاية عام 2017 بلغت نسبة القيمة السوقية لهذه الشركات إلى الناتج المحلي الإجمالي 11%، وهي نسبة قليلة جداً مقارنة بالدول العربية المجاورة نتيجة انخفاض عدد هذه الشركات في سورية، بينما بلغت نسبة القيمة السوقية للشركات المساهمة العامة إلى الناتج المحلي في الأردن ٦3% وفي الإمارات 56%.
كما يبلغ عدد الشركات المدرجة في سوق الأوراق المالية 37 شركة في سورية، مقارنة مع 268 شركة في بورصة مصر و195 شركة مدرجة في الأردن، على الرغم من تقارب حجم الناتج المحلي لهذه الدول بالمقارنة مع سورية.
نحو اقتصاد منظم
ومن هنا يرى الدكتور المدير التنفيذي لسوق دمشق للأوراق المالية ضرورة العمل على توجيه الشركات التي ستؤسس في المرحلة المقبلة لإعادة إعمار سورية لتكون على شكل شركات مساهمة عامة بغية الانتقال إلى اقتصاد منظم يعمل وفق الضوابط والتشريعات وإشراف الدولة بدلاً من اقتصاد الظل، ويوزع منافعه على أكبر شريحة ممكنة من المجتمع، بالنظر إلى المزايا التي تحققها عملية طرح أسهم الشركة للاكتتاب العام، وأولها جذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية، ذلك إن طرح جزء من رؤوس أموال الشركات المساهمة العامة للاكتتاب العام يساعد في حشد موارد القطاع الخاص بما في ذلك صغار المستثمرين والمدخرين الذين لايملكون الوقت الكافي والخبرة اللازمة لاستثمار أموالهم، حيث يُعد الاستثمار في الشركات المساهمة العامة خياراً جيداً لهؤلاء المستثمرين، باعتبار أن هذه الشركات تدار من قبل أفضل المختصين في المجالين المالي والإداري وتخضع للرقابة الحكومية، من خلال تعليمات هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية.
كما تساهم في جذب الاستثمارات الأجنبية، حيث نجد أن نسبة مساهمة الشركات الأجنبية في الشركات المساهمة العامة المدرجة في سوق دمشق للأوراق المالية تصل إلى 45% من رأس المال موزعة على عدة قطاعات هي قطاع الخدمات (0.12%)، وقطاع الزراعة (4% )، وقطاع الصناعة (40%)، وقطاع التأمين 33%، وقطاع المصارف 46%، وقطاع الاتصالات 49%.
فرص استثمارية
كما أن تأسيس شركات مساهمة وإدراجها في سوق الأوراق المالية يساهم في توسيع الفرص الاستثمارية المتوافرة في الأسواق المالية وتنويعها وتعزيز دور السوق الاقتصادي ورفع مستوى سيولتها وبالتالي سهولة الدخول والخروج من السوق، ومستوى مساهمة هذه الأسواق في جذب المدخرات المحلية غير الموظفة في الاقتصاد والاستثمارات الأجنبية (المباشرة أو غير المباشرة) وإعطاء القوة للسوق المالية لتعزيز دورها كواحدة من أهم أدوات إدارة السياسة النقدية للبلاد.
ويساهم إحداث شركات مساهمة عامة في تحسين العائدات الضريبية لأن هذه الشركات تخضع عند إعداد قوائمها المالية وفق المعايير الدولية للمحاسبة والتدقيق للمدقق الداخلي والمدقق الخارجي، بالإضافة إلى الرقابة من قبل عدة جهات إشرافية أخرى حسب نوع القطاع، مما يخفف احتمالية التهرب الضريبي الذي يحدث في الشركات الخاصة.
إضافة إلى إن تأسيس شركات مساهمة عامة يشكل ضمانا لاستمرارية عمل هذه الشركات، بالإضافة إلى سهولة حصولها على السيولة النقدية من خلال طرح أوراق مالية جديدة عند الحاجة وبالتالي زيادة رأسمالها بشكل يتيح لها القدرة على تمويل خططها التوسعية بأقل التكاليف وزيادة قدرتها التنافسية في الأسواق المحلية والخارجية. 
وبناء على مبدأ فصل الملكية عن الإدارة الذي يطبق في هذه الشركات المساهمة فإن ذلك سيساعد منشآتنا الوطنية على مواجهة المنافسة من خلال تطوير الأساليب والوسائل المستخدمة والتأقلم مع المتغيرات التي تطرأ في البيئة المحيطة؛ فهو يعطي الإدارة المرونة اللازمة لاتخاذ القرارات التي تصب في مصلحة هذا المشروع وليس تبعاً لأهواء مالكي رأس المال، ويتعزز ذلك من خلال تطبيق مبادئ الحوكمة، وترسيخ مبدأ الشفافية والمساءلة في الشركة.
مقترحات محفزة
ويرى الدكتور قاسم إن هناك خطوات لا بد من القيام بها لتشجيع إحداث شركات مساهمة منها تسهيل إجراءات، وتخفيض رسوم تأسيس الشركات المساهمة، لا سيما العامة، وتجديد العمل بقانون التحول إلى شركات مساهمة رقم 61 لعام 2007 وإعادة استصداره بعد تحديثه وتعديله، وخاصة فيما يتعلق بـالسماح بإعادة تقييم الأصول، بما في ذلك (الأصول المعنوية)، دون أن تترتب تبعات مالية وضريبية، والإعفاء من أي رسوم أو تكاليف رسمية على التحول، والإعفاء أو التخفيض الضريبي لعدة سنوات بعد التحول، وحصر ترخيص بعض الأنشطة الاقتصادية المتميزة، المجدية، المرغوبة بــ [الشركات المساهمة العامة]، مثل (شركات الإنشاءات والتطوير العقاري/ التمويل العقاري/ التأمين/ الجامعات الخاصة/ الصناعات الدوائية/ التمويل التأجيري/ النقل الجماعي..الخ
نمط للتشاركية
إلى جانب أنه من الممكن اعتماد الشركات المساهمة العامة كأحد أشكال تطبيق مبدأ التشاركية، وكذلك في عقود الـ B.O.T لا سيما مشروعات البنى التحتية، في إطار عملية إعادة الإعمار، والنهوض بالقطاع العام الاقتصادي وإصلاحه والصناعي على وجه الخصوص وتخصيص نسبة من الأسهم للعاملين في الشركات بأسعار تشجيعية، ونسبة للنقابات والمؤسسات العامة من خارج القطاع، وذلك إضافة إلى حصة القطاع العام، وطرح الباقي على المواطنين للاكتتاب العام، ومنح مزايا تفضيلية للشركات المساهمة العامة الصناعية والزراعية والتعليمية والتنموية، بما في ذلك إعفاءات ضريبية للسنوات الثلاث الأولى بعد التأسيس، وتخفيضات ضريبية للسنوات الثلاث التالية.
شركة جديدة
خالد الصواف المدير التنفيذي لشركة إسمنت البادية، وهي آخر شركة تم إدراجها في سوق دمشق للأوراق المالية الشهر الماضي، قال إن تشجيع الشركات العائلية للتحول إلى شركات مساهمة عامة يبدأ من خلال تشريعات تحظى بثقة قطاع الأعمال العائلي وتشجعه على تقييم أصوله بشكل سليم وطرحها بشكل شفاف وعادل للعمل الاستثماري ومن ثم إدخالها بالأقنية السليمة إما عبر شركات مساهمة أو أي نمط ترتأيه المجموعة العائلية مناسباً، وهذا يحتاج لإعادة تفعل قانون (إعادة تقييم الأصول) بشكل جيد وبدون أعباء، وبحاجة لوجود تشريعات محفزة ومشجعة على الإفصاح الحقيقي والشفاف عن حجم العمل بشكل تدريجي، من خلال توحيد الضرائب وخفضها ووضع الحوافز اللازمة من أجل حوكمة الاقتصاد، مع دراسة تجارب ناجحة لدول استطاعت الانتقال إلى اقتصاد أكثر التزاماً، مشيراً إلى أن عملية إدراج الشركات في سوق الأوراق المالية سيخلق أقنية محفزة للاستثمار وستحفز كل من لديه مدخرات مالية نحو هذه الأقنية.
التمسك بالنمط العائلي
رئيس نقابة المهن المالية والمحاسبية زهير تيناوي قال: من المهم تحول الشركات العائلية إلى مساهمة (عامة، أو خاصة)، لكن حتى الآن ورغم مضي أكثر من 12 سنة على صدور القانون رقم 61 لعام 2007 الخاص بتحول الشركات العائلية إلى مساهمة، إلا أننا لم نشهد تحول أي شركة خلال هذه السنوات حيث تضافرت عدة عوامل وأسباب منعت من التقدم في هذا الاتجاه، ومنها أن صاحب الشركة العائلية ليس لديه رغبة لانعدام ثقافة العمل الجماعي والتمسك بالآلية والنمط العائلي السائد حتى الآن في إدارة الشركات، حيث كان من المفروض على الدوائر المالية تشجيع هؤلاء على التحول من خلال التوعية ونشر ثقافة الشركات المساهمة، فشركات الأشخاص أو الشركات العائلية تدفع ضرائب دخل مقطوع يدفع بنهاية كل سنة مالية، بينما إذا تحول إلى شركة مساهمة فسيخضع لضريبة الأرباح الحقيقية، ما يعني أن نتائج الأعمال سينظمها قانون ضريبة الأرباح الحقيقية وهذا يتطلب مسك دفاتر وسجلات نظامية وتعيين محاسبين ومدقق حسابات وسيتم تدقيق هذه الدفاتر من ناحية الإيرادات والنفقات وقانونيتها من قبل جهات حكومية ورقابية، هذا أدى إلى تهرب أو عدم قبول أصحاب الشركات العائلية بعملية التحول إلى شركات مساهمة.
تقصير في التوعية
وهذا يعود إلى تقصير كبير لجهة التوعية ونشر ثقافة الشركات المساهمة، من قبل الدوائر المالية ودوائر التجارة في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، حيث كان من المفروض إقامة ندوات وورشات عمل ولقاءات يدعى إليها الأشخاص المستهدفون (أصحاب الشركات العائلية) على نطاق واسع، إلى جانب تقديم المزيد من التسهيلات الضريبية المحفزة على الانتقال إلى شكل الشركات المساهمة.
حيث إن فرض ضرائب على بيع الأصول الناتجة عن عملية التحول أدى إلى إحجام أصحاب الشركات العائلية من التحول، لأن هذا الإجراء سيرتب أعباء مالية إضافية هم بغنى عنها.
الاستثمار الأمثل
ولفت تيناوي إلى أن التحول إلى شركات مساهمة له إيجابيات كثيرة على الاقتصاد والمجتمع أهمها توفير فرصة كبيرة أمام المواطنين أصحاب المدخرات لتوظيف أموالهم بشكل آمن وحقيقي من خلال شراء أسهم في هذه الشركات المساهمة، بدلاً من وضع أموالهم مع جامعي الأموال الذين تسببوا بضياع مدخرات المواطنين الذين كانوا ضحايا لحالات نصب واحتيال عديدة قام بها جامعو الأموال..
وعليه فإن الاستثمار بأسهم الشركات المساهمة يعتبر النوع الأمثل من الاستثمار ويحقق الفائدة ويحفظ الأموال والمدخرات للمساهمين لأن هذه الشركات تخضع لرقابة مشددة من قبل عدة جهات عامة (مالية، تجارة داخلية، هيئة الأوراق المالية إن كانت مدرجة في السوق..)، إلى جانب رقابة الهيئات العامة لتلك الشركات والتي تضم كل المساهمين.