العادات والتقاليد الشعبية في الجولان بعيد الفطر المبارك

ثورة أون لاين- القنيطرة - خالد الخالد:

لا شك بأن الجولان العربي السوري بثقافة أهله وعاداتهم وتقاليدهم الشعبية لا يمكن فصله عن بيئته الأم في سورية وبيئة بلاد الشام عموماً، إذ نجد أن التراث الثقافي في بيئات بلاد الشام المتعددة متشابك شديد الصلة بين الأمصار كلها، ولا يمكن لنا فصل هذه العادات عن بعضها البعض، لأنها تشربت معارفها من معينٍ واحدٍ ألا وهو المنبع العربي الأصيل للمنطقة كلها.

لذلك نجد جسور الثقافة ما زالت موجودة بين هذه الأماكن، ولا يمكن لنا إلا أن نقول إننا رضعنا بذور الثقافة من هذه الأرض، واكتسبنا الخصال الحميدة والمعارف والعادات والتقاليد الشعبية من أجدادنا العظماء، الذين نشروا ثقافتهم في جنبات هذه الديار وكرسوها أفعالاً و قيمًا ثقافية ما زالت ماثلة في تراثنا الثقافي الشفوي غير المادي.

إن الحديث عن العادات والتقاليد الشعبية المرتبطة بتراث هذه الأرض لا يمكن حصرهُ بهذه العجالة، لأنهُ التراث الأغنى والمتعدد الجوانب والمفاهيم ، لهُ مدارسه و روادهُ، كما له خصوصيته المطلقة، والجولان هذا المكان الغالي والسامي والساحر من الأرض السورية المعطاء، جُبل أهلهُ على مفاهيمِ الخير والمحبة والتآخي، واستمدت هذا البيئة قيمها الأخلاقية من رواسب ثقافية موغلة في القدم، وتطورت وفق معطيات الحياة، وتبلورت بصورٍ جميلة تمثلت بأبهى حلةٍ اجتماعية.

والجولان العربي السوري بشطريهِ المحرر والمحتل، ليس بقعة جغرافية فحسب، بل هو مدرسة من مدارس الفكر والتراث الحي، نمت وترعرعت في ديارهِ الكثير من العادات الثقافية والطقوس الفريدة، وتنوعت مظاهر الحياة الاجتماعية بسبب التنوع البيولوجي لهذه المنطقة.

يقول الباحت بشؤون الجولان محمد فياض الفياض ل (ثورة أون لاين) حول شهر رمضان والعادات و التقاليد الشعبية المرتبطة به:عندما نتحدث عن طقس رمضان وأفراح العيد في البيئة الجولانية لا يمكننا الفصل بين قبسات رمضان ومكارم العيد لأنهما عجينة التفاعل الخير الممزوج بالمحبة وعبق الود وروح الإيمان بتجليات من الخالق عزَّ وجلّ.

وقبل أن نمضي في الحديث عن محطات عيد الفطر وكنوزه الثقافية، لابد لنا أن نستذكر خصال رمضان وسجايا أهل الجولان الكرام، إذ تكثر العادات والتقاليد الطقسية التي يمارسها أبناء البيئة الجولانية خلال شهر رمضان الكريم والفضيل، ومن أهم العادات والتقاليد الرمضانية، الإفطار الجماعي للأسرة، إذ اعتاد الآباء والأبناء والأحفاد في الجولان على تناول طعام الإفطار في منزل الأب أو أحد الأبناء، بشكل دوري، كما اعتادوا أيضًا دعوة الأقارب والأصدقاء بالتناوب فيما بينهم و بطقس تراثي جميل، الأمر الذي يزيد من اللحمة و قوة النسيج الأسري والاجتماعي.

ومن الطقوس الجميلة الإكثار من الصدقات، إذ اعتاد أهل الجولان على الإكثار من الصدقات والإحسان، وإرسال الطعام إلى الجيران والأصدقاء و الأسر المحتاجة، فقبل موعد آذان المغرب تبدأ الصحون والأطباق الشهية في الطواف بين المنازل، بالإضافة إلى انتشار موائد الرحمن والتي تقدم من رجال الخير والمؤسسات والجمعيات الخيرية، كما تؤدي المرأة الجولانية وظيفة مهمة في شهر رمضان الكريم، إذ تقوم النساء في العديد من الأسر بالقيام بتحضير الطعام في بيت العائلة الكبير أو إحضار الطعام إليه، كما أن كل الأبناء في الأسر يعتادون على نقل طعام إفطارهم إلى بيت والدهم ليتناولوا معاً وجبة الإفطار و يأكلوا من طعام بعضهم البعض.

ويضيف الفياض عن طقس العيد و العادات الاجتماعية المرتبطة به: في اليوم الأخير من شهر رمضان تسمى هذه الليلة بالليلة البيضاء، إذ تستنفر العائلات والأسر الجولانية كخلية النحل لشراء حاجيات العيد ومستلزمات الأطفال من لباس وحوائج مهمة تتوافق مع هذا الطقس الجميل، وفي هذه الليلة المباركة أيضًا لا يعرف الأطفال طعم النوم، فهم ينتظرون الفرح القادم والبهجة واللهو والعيدية السخية.

ويعقب هذا الترقب الجميل قدوم صلاة العيد، إذ ترتفع أصوات التهاليل والتبريكات في المساجد معلنة قدوم الفرح الجديد، وهذا الطقس لا يختلف عن البيئات السورية الأخرى، وبعد الانتهاء من الصلاة، تذهب العائلات لزيارة القبور حاملة معها نبات الريحان ( الآس ) والماء وبعض قطع الحلوى التي تم صنعها في البيت لتوزيعها على الفقراء عند زيارة القبور، وهي عادة مستحبة وعرف اجتماعي تقليدي مقتبس من الإرث الثقافي الديني المتجذر لدى جميع البيئات السورية، إذ تتم قراءة الفاتحة وبعض آيات القرآن الكريم على قبور الأحبة الذين سبقونا إلى الدار الآخرة، ومن ثم تجتمع العائلة الواحدة على مائدة الطعام الصباحي، والتي تضم ما لذ وطاب من الأطباق الشعبية المحلية نحو: ( اللبن، والزبدة، والعسل، والزيتون، والبيض، والحليب الطازج، بالإضافة إلى خبز التنور الموشح بزيت الزيتون البلدي) وغير ذلك من خيرات الطبيعة الجولانية، وما أن ينتهي طعام الفطور إلا ورائحة القهوة العربية المعطرة بهيلها تعبق بالمكان، و لا يكاد بيت من البيوت الجولانية يخلو من أدوات القهوة العربية وأهم مفرداتها ( المهباش ) ذائع الصيت في البيئات العربية كلها، و القهوة العربية فاتحة الصباح و هي إيذاناً بقدوم الضيوف، و للقهوة العربية الجولانية نكهتها الخاصة وترفها، ولاسيما أنها ترتبط بتراث ثقافي غنائي متعدد المشارب و المقامات، وعادة ما تكون هذه المفردات في منازل الشيوخ والوجهاء، إذ تكون آلة الربابة حاضرة في المجلس العابق بالأحاديث الجميلة و القصائد الشعرية البدوية الغنية بمفرداتها و معانيها، إذ يتسابق الشّعْار في تقديم أجمل ما لديهم من فنون الأداء والغناء، الذي يعبر عن طبيعة الجولان وأهلهِ، وتتسابق فناجين القهوة المعطرة بالهيلِ إلى شفاه الضيوف الكرام، التي ترشفها بحبٍ مرددة عبارات الثناء والشكر لأهل البيت وأصحابهِ.

وعند الانتهاء من هذا الطقس الجميل والحميم، تتقاسم الأهالي الزيارات وتكون منظمة وفي إطار العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية، والتي تستمر طيلة عطلة العيد، يرتدون فيها الأطفال ملابسهم الجديدة، ويهرعون مع أقرانهم لتأدية طقوس العيد في أماكن ترفيهية مختلفة .

ولكن ماذا عن الحلويات التي تقدم بالعيد؟. يقول الفياض عن ثقافة صناعة الحلويات والمأكولات الشعبية التراثية: أما بالنسبة لثقافة إعداد أطباق الحلويات والمأكولات الشعبية و طقوسها، فإن البيئة الجولانية مزدحمة بالأطباق والأطعمة، وهي تختلف بحسب التنوع السكاني للمنطقة واختلاف البيئات، إذ تجد وفرة في المأكولات والحلويات الشعبية المتعددة الأصناف والأنواع والألوان نحو: (أقراص العيد، وكعك الحليب، والمعمول الممزوج بالتمر والجوز والفستق الحلبي وكذلك اللزاقيات) وغيرها من الحلويات العجيبة والغريبة، بالإضافة إلى (المنسف) وهو الطبق الذائع الصيت والرئيسي، الذي تجتمع حولهُ العائلة في غداء اليوم الأول من أيام العيد، والذي يتكون من البرغل، واللحم، واللبن، والسمن العربي، مشفوعًا بخبز الصاج العنبري، المشبع بالزيت البلدي، بالإضافة إلى الكبة المحشوة باللحم والجوز، والمنثورة على أطراف المنسف، وهي عادة جولانية صرفة لا تقتصر على الجولان فحسب بل هي من ثقافة أرياف بلاد الشام.

كما لا نستطيع نسيان العادة الجوهرية في المجتمع الجولاني وهي زيارة الأرحام ولهذه الزيارات طقوسها وواجباتها، وهي قد تكون متشابهة في كل بيئات بلاد الشام.

وفي الختام نستطيع القول بأن الأمم ترتقي بتراثها، وتفتخر بما لديها من عادات وتقاليد لأنها الجزء الأغلى من هويتها وخصوصيتها، واليوم تمر سورية بظروف الحصار والحرب العدوانية وكذلك التصدي لوباء كورونا الذي فرض مجموعة من الإجراءات الاحترازية الصعبة على الجميع، قد لا يستطيع المرء تقديم الواجبات المفروضة عليه بسبب الحالة الاقتصادية المتردية، ولكن تبقى العادات والتقاليد جوهر الحياة الاجتماعية، قد تختفي بعض مظاهرها بسبب الظروف، ولكنها تعود وتتصدر المشهد الثقافي والاجتماعي عند توفر المقومات وأختم هذا الملف الخاص ببعض الأبيات الشعرية التي استذكرتها للشاعر العربي المتنبي إذ يقول :

عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ

بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ

أَمّا الأَحِبَّةُ فَالبَيداءُ دونَهُمُ

فَلَيتَ دونَــكَ بيداً دونَها بيدُ.

 

 


طباعة