عصر ما بعد الحقيقة


ارتبط تطور الحياة الإنسانية بتطور أدوات المعرفة والإنتاج انطلاقاً من مركزية العقل والإبداع والتقدم القائم على التجربة وترافق ذلك أيضاً بالطفرة التقانية غير المسبوقة في أدوات التأثير على الرأي العام عبر أدوات الإعلام ووسائله بدءاً من الخطابة والشعر والرسالة مروراً بالصحافة والإذاعة والتلفاز وصولاً للانترنت والمحمول وشبكات التواصل الاجتماعي وتساوق ذلك كله تاريخياً مع عصور علمية وفكرية وفلسفية سواء ما جرى تسميته عصر ما قبل الحداثة إلى الحداثة وما بعدها كأساليب خطاب وإبداع وإنتاج معرفي وتقاني وقيمي ينتهي إلى ثقافة وسلوك وصناعة رأي عام.
إن دخول شبكات التواصل الاجتماعي بأشكالها وأدواتها المتجددة في عالم المعرفة وصناعة الرأي العام والتأثير فيه جعل العالم ينتقل على المستوى التوعوي من عالم تتحكم فيه وسائل الإعلام والثقافة ذات الطابع المؤسسي النمطي من وزارات إعلام وتلفزة وصحافة ومراكز دراسات وغيرها إلى عالم آخر يشكل إرهاصات أولى وحقيقية يؤذن ببداية تغيير في قواعد اللعبة الدولية في إطار تحريك الرأي العام ويقاد هذا التغيير من قبل قوى وتيارات شعبوية ومعارضة للنخب الحاكمة ويتجاوز المؤسسات التقليدية سواء كانت رسمية أم حزبية بحيث يجري تضخيم هذه المظاهر أو تقزيمها عن طريق المعلومات الملفقة أو الحقيقية وفق الحاجة والوظيفة فيتم نشرها وتسويقها كمحتوى عبر شبكات التواصل الاجتماعي ومن خلال لاعبين محليين أو دوليين بحيث تدخلنا هذه الصور المضخمة والمعقدة كدول ومجتمعات وبيئات على الصعيد المعرفي والتوعوي والإعلامي بما يمكن تسميته عصر ما بعد الحقيقة حيث تؤثر المعتقدات والآراء المسبقة والعواطف على الخطاب والجمهور أكثر من الحقائق -انتخابات الرئاسة الأميركية الأخيرة نموذجاً- فتصبح القدرة على التمييز بين الحقيقة والكذب شديدة الصعوبة لجهة معرفة ما يجري من أحداث أهو حقيقة أم زيف؟ ما يترك مجالاً واسعاً للمخيلة وقراءة ما يحدث واقعاً لا افتراضاً أو تخيلاً ما يعني تآكل موقع ومساحة الحقائق كأساس للحوار والسياسة إلى درجة خطيرة وغير مسبوقة وعلى الرغم من أن الحديث لا يدور حول ظاهر جديدة إلا أن قوتها تزداد في الوقت الراهن بشكل سريع بفعل ثورة المعلومات والتكنولوجيا المتعلقة بالاتصالات في أعقاب الطفرة التقانية والمعلوماتية ما يضع الجميع أمام تحديات غير مسبوقة وخاصة مراكز القرار السياسي على المستويات الوطنية وما تحتها وفوقها ولعل عصر ما بعد الحقيقة ينذر بسلسلة تغيرات اجتماعية وثقافية وفكرية لم تعد تعط قيمة وثقة للمؤسسات التقليدية بوصفها المسؤولة عن استقرار الواقع سواء كانت حكومات أم مؤسسات أكاديمية أم أجهزة إعلامية وغيرها من أشكال تعبئة الرأي العام وصياغة الخطاب هذا يضعنا أمام حروب جديدة في إطار تشكيل الوعي وسباق المعرفة والتقانة الفاعلة والقدرة على كسب ثقة الرأي العام بين لاعبين محليين ودوليين هم أفراد طبيعيون قبل أن يكونوا عناصر في مؤسسات رسمية وازنة.
إن الانتقال الحاصل بين إعلام مركزي ومؤسساتي إلى إعلام فردي نواته أفراد أو شبكات الكترونية تتبنى خطاباً معيناً يستجمع جمهوراً واسعاً اصبح أمراً واقعاً وحقيقة كرستها مهارات التواصل اللانمطي وهنا يصبح التحدي الأساسي أمام صناعة الإعلام والرأي العام الكيفية القادرة على الوصول للجمهور المخاطب انطلاقاً من المصداقية والمهنية والسرعة في التقاط الحدث وتسويقه إضافة إلى امتلاك التقانة والكوادر القادرة على تغطية الحدث لحظة ولادته وهنا تأخذ المسألة سياقاً يتعلق بالآليات المرتبطة ببيروقراطية العمل وآلياته وطبيعة الناقل ودرجة كفاءته ومهنيته وحريته وتحرره من قيود العمل ومساحات الحرية التي يمتلكها في هذا الإطار.
د.خلف علي المفتاح
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
التاريخ: الأثنين 11-2-2019
رقم العدد : 16906