مسرّاتٌ صغيرة..


تنظر مليّاً إلى تلك الصور التي جمعتها طوال سنوات..
مبتسمة.. أو شاخصة بثقة إلى عمق العدسة كأنما تدرك أنها ستغدو فيما يلي من أيام صديقةً حميمة لك أنت وحدك..
كأنها تنظر إليك.. تحديداً.. تريد إخبارك بشيء ما.
من على شرفة مسّراتنا الصغيرة المرسَلة إلينا عبر صورنا التي التقطناها على غفلة من الزمن.. نكتشف فجأة شجاعة معاندة لحظات مرّت وانقضت.. اختلسناها.. وخزّناها في جعبةٍ من ذكريات الصور.
لوهلة أدرك أن أجمل تلك الذكريات/الصور.. كانت خلال أفظع سنوات الحرب.
نسخٌ عديدة من «أنواتنا».. ووجوهنا الضاحكة رغم بشاعة اللحظة التي غلفت تلك الذكرى.
لعلنا نرغب باعتبار تلك الضحكات المتناثرة عبر صورنا، صفعاتٍ في وجه الحرب..
ولعلنا نجتهد لإظهار أفضل ما نمتلك خلال أفظع أوقات العيش.
تتكاثر الوجوه من حولنا.. وكلّما تكاثرت التطبيقات الذكية زادت نسبة حضور وجوه قريبة وأخرى غريبة في عالمنا..
غالبية ما نتلقاه من وجوه تبدو باسمة وضاحكة.. معظمها يتقن صنع لحظته ومخاتلة الحياة..
هل نخاتلها حقيقةً أم نُظهر بعضاً من سرورٍ نحياه..؟!
ربما نصنعه صنعاً أو تصنّعاً..؟!
مسرّاتنا الصغيرة.. تلك التي تختزنها صورنا.. أصبحت هواية وربما غاية لدى البعض..
وسيبدو رائعاً وجميلاً لو أننا نتقصّد صناعة السعادة عبر مجرد «صورة»... «فالسعادة مُعدية».. وحين نبصر فرحاً نابعاً من صورة وجماليتها.. لانبتغي تدريب قلبنا على الحب كما أراد محمود درويش فحسب، بل ندرّب أبصارنا على رؤية جماليات ومسرّات تختزنها «صورة»..
هل ضروريٌ أن نمتلك جسارة المجاهرة بلحظات فرحنا أو أن نكتم تلك المسرّات فتغدو دون صوت.. مكتومة حتى عن أصحابها.. عنّا نحن.. خشية إفسادها ممن لا يمتلك كرم الابتسام وفن الفرح..؟
إنها مهارة التحايل على الحياة.. والقدرة على مراوغتها باقتناص لحظات مسرّاتنا بتراكمات صورنا.. ويبدو أننا نعي تماماً مقولة الروائي ساراماغو: «في السعادة بعضٌ من طبيعة البزاقة، تختبئ عندما نلمسها».. ولهذا نجعل لحظات سعادتنا تتمدد.. في اتجاهات عديدة عبر حفنة من الصور.
لميس علي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

التاريخ: الخميس 18-7-2019
رقم العدد : 17027