فراغات اللاشيء..

 


في كتابه «عن اليقين» كتب الفيلسوف النمساوي فيتجنشتاين: (لا تزال هناك ثغرة كبيرة في تفكيري. وأشك فيما إذا كان سيتم ملؤها الآن)..
باختلاف ظرف الزمان والمكان، ربما شعر المرء بتلك الثغرات التي تتواجد في ذهنه، تفكيره، أو حتى حياته بالمجمل..
كيف يمكن ملء تلك الثغرات..؟!
تبدو المشكلة أكبر بكثير مع وجود إحساس بالفراغ..
فراغ في الفكر.. أو فراغ بمختلف تفاصيل الحياة التي ننشغل بذات الوقت بها لكنها لا تجعلنا نمتلئ إحساساً عالياً يسكب ذاك النوع من الجمال النادر..
هل في الأمر ملمح تناقض..؟!
ليس تناقضاً.. لكن أن تمتلئ حياتك بتفاصيل اليوميات والواجبات لا يعني أبداً تحصيلك وجبتك اللازمة من ملء فراغٍ ربما يمكن لنا توصيفه بـ(الروحي) أو (الجمالي).
وفق فيزياء الكم، لا يوجد شيء يطلق عليه فراغ.. أو بتعبير آخر «الفراغ في فيزياء الكم يعج بـ(الحياة)، وبحالةٍ دائمةٍ من ولادة الأجسام واندثارها».. وبالتالي «فإن كمية الطاقة الموجودة في الفراغ لا نهائية»..
وفي اللحظة التي نخال فيها أن حالاً من السكون تلبّس عقولنا.. وأن خمولاً فكرياً اقتحم أذهاننا.. تتولّد الأفكار.. تنشط.. وينجم عن فراغات اللاشي تلك.. شبكة متشعبة من الأفكار..
ومع ذلك تحتاج سكونية لحظة الخمول تلك إلى شرارة تُعيد شحذها..
لحظة الافتقاد لذاك الجوع الذي تحدّثت عنه إميلي نوتومب، تحتاج ما يشعل شغفها ويحول دون انطفائه..
كيف نحافظ على شغفنا.. ونحميه من تراكمات فراغات أو ثغرات..؟
لا أفضل من الإبداع، بشقيه الفني والأدبي، ليعيد ملء خزان شغفك..
مجرد فيلم أو كتاب ربما امتلك إمكانية إطلاق عشرات الأفكار في ذهنك.. ونشّط سيرورة شغفك الجمالية.. الذي يجعل وراء كل «لاشيء» ثمة شيء.. وتخلق كونك الخاص من اللاشيء..
«انتفاء الجوع مأساة».. وفق نوتومب.. الشغف/الجوع «هو أن تريد. إنّه رغبة أشمل من الرغبة. ليس الإرادة التي هي قوّة، كما أنّه ليس ضعفاً لأنّ الجوع لا يعرف الخنوع. فالجائع هو مَن يسعى».
لميس علي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

التاريخ: الخميس 29-8-2019
رقم العدد : 17059