بعيداً عن أيّ بريق..


من أجمل وألذ ما يمكن لك قراءته في توصيفهم «النجاح»، قولهم: هادئٌ وبسيط..
تتغلغل هذه التوصيفات في أعمال الرسام الهولندي يوهان فيرمير، القرن السابع عشر، ولاسيما لوحته المعنونة «الشارع الصغير».
وبالطبع لا تأتي كلا الصفتين لجهة التقزيم أو التقليل من قيمة وشأن النجاح الذي لربما حصّله أحدنا ضمن دائرة قناعاته التي لاتقارع قناعات الآخرين أو تنافسهم.
تحقيق النجاح بمقاييس هادئة وبسيطة هل يحمل في طياته سعادة تشبهه..؟!
لكن ما الضير في أن تكون سعادتنا هادئة وبسيطة..!!
هل يعني الأمر أننا نؤطّر حياتنا بقناعاتٍ محدودة.. صغيرة.. خانعة ومستسلمة..؟
لطالما كان النجاح شرطاً لتأمين مستلزمات الحياة السعيدة.. وغالباً ما ينطوي في المفهوم العام على صخب الإنجازات وبريق أضوائها..
بعيداً عن كل صخبٍ وبريق، هل يعني أننا نحيا حياة فقيرة في منسوب السعادة..؟
عنوةً.. ينتزع البعض، البعض الكثير، مساحاتٍ من الواقع الافتراضي.. يفترش عليها ذيول نجاحاته.. أو ما يعتقد، وفق مقاييسه وفهمه، أنه النجاح.
كنت على قناعة كاملة أن عمل المرء يتحدث عنه.. إن كان على المستوى المهني أو الشخصي.. فلا حاجة لمنبر خاص نعيد عليه نشر تفاصيل ما نفعل..
اليوم اختلطت الأمور وبدأت منصات التواصل الاجتماعي تعيد تصدير أفرادٍ وجماعات عشرات المرات يومياً وربما أكثر.. بحيث نتساءل: إن أغفلنا وجود هؤلاء على المواقع الافتراضية هل سنرى رجع صدى لما يفعلون وينجزون واقعياً..؟
ما هو طعم ولون النجاح الذي يريدون تصديره لنا..؟!
هل يرغبون حقاً ببث نوع من وهم السعادة تجاهنا..؟!
ألا يعيشون هم أنفسهم هذا الوهم.. وهم النجاح.. وهم السعادة.. وما بينهما من رابط هشّ..؟!
فيما مضى لم يحيي كبار الأدباء بريق الشهرة ولا صخب أضوائها.. كما في حياة كل من كافكا وبيسوا.. لم يحصّلا الشهرة خلال عيشهما بل بعد موتهما.. ومثلهما كثير.. وغالباً ما كان ذلك خياراً وقناعةً مارسوها.
في «الشارع الصغير» ووفق تفسيرات وقراءة كثيرين للوحة يرى فيرمير أن النجاح ليس أكثر من يوم هادئ.. يومٌ هادئٌ وحسب.
لميس علي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

التاريخ: الخميس 10- 10-2019
رقم العدد : 17095