هذا الوقت كلّه لي..

تخترقها دون أن تشعر بذلك.. وتعيد تشكيلها وفق ميزان فهمك.. تصوّب ما يحيد منها عن أفق بصرك.. كأنها بمتناول يدك متى ما أردت قبضت عليها وأحكمت القبض..
لعلك تشعر بذلك حين تتصاعد وتيرة إنجازاتك وتزداد جودتها.. كما لوأنك تداعب، حينئذ، لحظات الوقت/وقتك.. وتصيّر شلاله طوع إرادتك.
في ذروة متعتك يذوب أي إحساس بخطورة الوقت.. وتتلاشى تلك الصورة التي علقت بأذهاننا بسبب عنوان إدواردو غاليانو «أفواه الزمن».. فلا تعود تحدّق بنا تلك الأفواه.. ولا نخشى ابتلاعها لنا..
ستختبر قدرتك على مراوغة لحظات مريعة كما لو أنك قادرٌ أبداً على ابتلاعها وتصييرها فتات ذكرى.
ماذا لو كانت كل خبراتك وإنجازاتك ومجمل أوقات عيشك تُختصر في محاولة تجميل يومياتك..؟
كيف يمكن تجميلها حين تنشغل بحياكة وقتٍ على مقاسك وحدك..؟
في «حالة حصار» ذكر محمود درويش عبارة «فوهة الوقت»، ويبدو أن ثمة فوهة تحاصرنا وتهدد بإطلاق نارها صوبنا متى ما أرادت..
هل بالإمكان اختراع هدنةٍ لزوبعة الوقت العاصفة من حولنا وفي أدمغتنا..؟
غريب كيف يمكن أن تنقلب الأمور.. وما كنتَ تخاله زوبعة عاصفة ليس أكثر من وهمٍ.. بكل بساطة يمكن إعلان حالة تأمّلك له عن بعدٍ أو قربٍ.. وصولاً لنوع من سلام مع عقارب وقتٍ كنت تحسبُها بلسعاتٍ سامّة ومميتة.. لسعاتٍ ليست أكثر من مصلٍ مضاد، لقاح يخدّر إحساسنا بكل قيمة فعلية لزمنٍ دائر من حولنا.. فلا قيمة تعلو قيمة امتلائك بكل ما هو حولك.. لتصل حد التخمة والإشباع.. حينها يغدو الوقت صديقاً حميمياً.. يسايرك وتسايره.. تتعايشان كما لو كنتما صديقين منذ الأزل.
وبصوت عالٍ تُعلن: كل هذا الوقت لي..
فثمة فائض من وقت كلّما خفت صوت ضجيجٍ خارجي وداخلي.. هناك المزيد كلّما صغرت في عين قلبك كل الأفعال والإنجازات.
في تعريف القديس «أوغستين» الزمن يقول: «.. هو بعد الوعي الذي يتوجه انطلاقاً من الحاضر نحو المستقبل في الانتظار، ونحو الماضي في التذكر، ونحو الحاضر في الانتباه».. وحتماً ستستلقي في حضن زمنك الخاص حين تتحرر من كل تذكّر، انتظار وانتباه.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لميس علي
التاريخ: الخميس 17-10-2019
الرقم: 17100