بضعُ درجاتٍ وعكازان..

 



تمضي أيامها الأولى في الجامعة وهي تبحث عن الدرجات الأقل ارتفاعاً عن مستوى الأرض..
بدايةً.. رغبتْ بالسير ذهاباً إلى الجامعة، فبيتها لا يبعد سوى مسير ربع ساعةٍ أو أكثر ببضع دقائق لتصل اليها.
تعبر طريق الذهاب من الشارع العريض وتسير بمحاذاة المنصّف.. تتأمّل أين يقع المستوى الأقل ارتفاعاً عن الأرض حتى تتمكن بمساعدة عكازيها من ارتقائه.. وحين تنجح بذلك تبتسم مُعلنةً انتصارها على هذا التحدي الصغير.
بسلاسة تنتقل إلى التحدي التالي، عبور الرصيف المقابل.. ثم تالياً صعود حافّة النفق الذي يقطع الأوتوستراد وصولاً إلى الجامعة.
في عمرٍ مبكر، تدرك أن الحياة لدينا ليست مؤهلة لعيش الاختلاف.. على العكس تقوم بسحق كل اختلاف دون أي قدرة على إبصار التميز الكائن خلفه..
حين أيقنتْ أنها اكتشفت خارطة وصولها إلى مقر دراستها الجامعية، ولو بمشقة، قررت أن تضحي بمصروفها الشهري كآجار لسيارات "التكسي" التي تُغنيها عن محاولة اكتشاف طرق أكثر سهولة..
أكثر سهولة..!!
لم يكن أيّ من قراراتها التي اتخذتها يوماً مبنياً على ما يحققه لها من سهولة عيش.. لكن لابأس من تجريب غير ما نعتاد عليه أحياناً..
لطالما رغبت باختراق ذلك النوع من التحدّيات الصغيرة، بالمعنى الحرفي للكلمة، التي تضعها الحياة في دربها.. ويبدو أنها اكتسبتها مهارةً مكّنتها من تجاوز تحديات أكبر غير مرئية.
يعبر كل ذلك عبوراً سريعاً في ذاكرتها حين تنوي اجتياز بضع درجات فاصلة بين عتبة البيت والحياة الكائنة ما وراءه.
لم تدرك أن كل ما تمرّ به سيعيدها إلى نقطة البداية.
وبعدما أتقنت مصادقة عكازين وجهاز طبي، عليها الآن أيضاً أن تنجح بكسب صداقة "عجلاتٍ أربعة" تُضاف إلى قائمة أصدقائها غير الآدميين..
"أصدقاء غير آدميين".. يعجبها صدى العبارة في أذنيها..
أيجوز أن يكونوا أكثر وفاءً من كل الآدميين المحيطين..؟!
أقله سيكونون كما كانوا دوماً، عوناً ضد بضع درجات، أو أدراج طويلة تفّننت بملاعبتها زمناً.. كما تجرأت على ملاعبة الحياة مرّاتٍ عديدة.
يقف خيط تداعياتها عند تلك العبارة التي يقولها بطل فيلم "لالا لاند": سأدع الحياة توجّه ضرباتها لي حتى تتعب، ثم يحين دوري بتوجيه ضرباتي لها.
رؤية- لميس علي


طباعة