«ممالك صغيرة»

 

توصف حالات الفصام عند البالغين، كما عند المراهقين بأعراض متشابهة أهمها الابتعاد عن الأسرة، وكذلك الأصدقاء ليعيش المصاب في عالمه الخاص، وقد فقد القدرة على التواصل مع الآخرين، وأصبح أكثر عرضة للفراغ العاطفي، وللتهيؤات، والهلوسات، ولينتج عن ذلك بالتالي انخفاض في الأداء في الحياة العملية، أو الدراسية. إلا أن هذه الأعراض لم تعد حكراً على المصابين بالفصام النفسي فقد اشترك بها أغلبنا وقد أصبنا بالفصام الاجتماعي بعد أن سحبتنا أمواج الأثير لنتواصل من خلالها مع مَنْ هو بعيد، وقد نسينا كل مَنْ هو قريب منا ونستطيع أن نتواصل معه مباشرة، ونحاوره دون حاجة إلى وسائل، وأدوات نقيم من خلالها الحوار.
أجل.. هكذا أصبح الحال بعد سنوات من الغزو الالكتروني، والواقع الافتراضي للواقع الحقيقي الذي نعيش فيه فعلاً لا وهماً.. حتى أن أفراد الأسرة الواحدة باتوا يفضلون أن يتواصلوا مع بعضهم بعضاً من خلال مواقع التواصل أكثر مما يفعلون على أرض الواقع.. ولعل في هذا متعة من نوع خاص توازي أو تتجاوز متعة الحديث المباشر وواحدهم ينظر في عين الآخر. وإذا بتلك الحوارات تغدو سجلاً للأوقات، والمجاملات، وللكلمات المتبادلة في مناسبات، وقد لا تخلو أحياناً من بعض المنغصات، ما يعكر صفو العلاقات.
ليس هذا فحسب بل إن ممالك صغيرة سواء أكانت من الوهم، أم من الحقيقة أخذ الناس ينشؤونها من خلال صفحاتهم التي تتيحها لهم وسائل التواصل الاجتماعي.. تلك الصفحات التي يملكها كل أحد باتت هي مملكته الصغيرة التي يكون فيها هو السيد.. وهو الآمر الناهي الذي يسمح، أو لا يسمح بالدخول إليها.. هو الذي يختار الأصدقاء الذين يتحولون إلى رعايا لتلك المملكة، ولصاحبها حصراً الحق في أن ينفي بعض رعاياه إذا ما لم ينسجم مع آرائهم، أو توجهاتهم.. كما أن له وحده الحق في أن يُطلع مَنْ يشاء على ما يشاء مما تزدان به صفحته، أو أرض مملكته. فالساحة ساحته (هو) التي لا يدخل إليها إلا من أراد له ذلك.
هذه الممالك الصغيرة أصبح الناس يستعذبونها ولا يجيدون رسم الصورة التي يريدون لهم إلا من خلالها.. قد تكون الصورة حقيقية، أو مزيفة لا يهم.. وما يهم أنها صورة تعبر عنهم بالطريقة التي تعجبهم، وترضي غرورهم، ويرضون عنها.
صفحات بيضاء قابلة لأن تُملأ بالكلمات، أو بالصور، أو بأفلام قصيرة تجعلنا باستمرار ننسحب من علاقتنا بمن هم حولنا لصالحها، وقد تكون العلاقات من خلالها أكثر تفاعلاً وتعبيراً. فإذا ما فُتحت تلك الصفحات الالكترونية ذهبت حالة الاكتئاب والسلبية، ودخل المرء في حفلة تجمع له كل مَنْ يسليه من رعاياه المحبوسين ضمن مملكته، ولو أن كل أحد منهم يملك حرية الفرار والانسحاب من تلك الصداقة وقتما يشاء، إلا أن هذا لا يمنع من تطبيق قوانين الدخول إلى المملكة، أو الخروج منها، وأهم تلك القوانين الزاجرة والباترة هو قانون عدم الإساءة الى صاحب المملكة، أو الانتقاص من قدره لا سراً ـ أي من خلال الرسائل الخاصة ـ ولا علناً أمام أعين الجميع، أي ما يمكن أن يُكتب، أو يُلصق من صور على جدار المملكة.
لقد نجحت مساحات التواصل هذه في إعطاء الفرصة للجميع، ودون استثناء في التعبير عن مناطق من الشعور ما كانت لتستطيع أن تعلن عن نفسها لولا هذه الوسائل.. كما نجحت أيضاً في رسم (الشخصية).. شخصية كل منتسب لها، كما الكاتب عندما يرسم شخوصه الروائية.. وعززت بالتالي من حالات الثقة بالنفس من خلال استحسان جوقة الأصدقاء لما يُنشر على الصفحات. وما دامت المملكة الصغيرة تخضع فقط لتحكم ملكها، أو مالكها بها فإن جوقة الرعايا لا تملك إلا التصفيق استحساناً، حتى ولو كانت تكتم الهتاف استنكاراً خوفاً من حذف، أو نفي لا تعود تستطيع معه حتى أن تطل على حدود هذه المملكة لتعرف ماذا يستجد على ساحتها.
ممالك صغيرة حولتنا دون أن ندري إلى ملوك صغار نتنافس فيما بيننا حتى على أبسط المكاسب.. وقد تكون في كسب أكبر رقم من علامة الاستحسان.. فهل سنقتنع بعد هذا أننا لسنا ملوكاً.. وممالكنا هذه هي من وهم.. وأن سيداً واحداً يملكنا جميعاً وهو من ابتكر لنا هذا الموقع؟

لينا كيلاني
التاريخ: الجمعة 8-3-2019
الرقم: 16927