«الآفاق الشاسعة»

 

هي تلك الآفاق التي نتطلع إليها في الحياة، وقد نصفها من حيث اتساعها كما نصف مساحات الأرض الواسعة.. وهي التي تطلع إليها مبتكر الموقع الاجتماعي الأشهر على الإطلاق على شبكة المعلومات، فتحققت له الآفاق الشاسعة التي حلم بها، ووصل إليها من خلال شغفه بعلم الحاسوب، وإذا به يغيّر العالم من خلال حلمه الواسع العريض.. إلا أنه في الوقت نفسه خلق عالمين متوازيين أحدهما لنا عندما أدخلنا بطواعية منا، وبإغراء منه إلى فضاء ذلك الموقع لنمضي الساعات تلو الساعات ونحن نقلّب في صفحاته، ونكتب عليها كل ما يحلو لنا، ونلتقي من خلالها بصداقات جديدة ننسجها، أو بأخرى قديمة نعززها.. أما العالم الآخر الموازي فهو عالمه هو، عالم (زوكربيرغ)، شبه المنفصل عما ابتكره إلا من إدارته، وتطويره، وجني الأموال الطائلة من ورائه.. وكان الأولى به أن يكون الأكثر نشاطاً من بين المستخدمين لابتكاره.. فهو يمر على موقعه مرور الكرام لدقائق محسوبة خوفاً من أن يتورط في هدر وقته الثمين، وليبقي على تركيزه، وصفائه الذهني حتى لا يفسدهما موقعه هذا.. وليغادر فوراً باتجاه كتاب يقرأ به يعزز معارفه، وهو الذي وصف بأنه ذلك المثقف الذي يتقن أكثر من لغة. ولو التقطنا صورة لنا، وأخرى له، ودمجنا الصورتين معاً لكانت المفارقة مفجعة.. بينما الساعة إلى جانب كل من الطرفين تسجل انسياح الوقت، أو تكثيفه.
ليس هذا الموقع فقط القادر على الاستلاب بل المواقع الأخرى أيضاً المشابهة له من حيث خدماتها، وما توفره لمستخدميها، ولا داعي لذكر أسمائها لأنها باتت مشهورة، ومعروفة لدى كل الناس.. وهذا بالتالي يضعنا مقابل شعار ترسخ في الحياة اليابانية ألا وهو: (القراءة في كل زمان ومكان)، ليقوم كل فرد في ذلك المجتمع الناهض بتبنيه بالممارسة العملية، واليومية. وكذلك هو حال الفرد الغربي عموماً، ولو أنه لم يرفع هذا الشعار بصوتٍ عالٍ إلا أنه يطبقه على حساب مغريات شبكة المعلومات، وما تلتمع به صفحاتها من مواقع للألعاب، والتسلية، والتواصل، والترفيه.
والغاية من ذلك ـ أي من ترسيخ عادة القراءة ـ لدى تلك الشعوب لا تقتصر فقط على إغناء المعرفة، واكتساب الثقافة، بل إنها تعمل أيضاً على توسيع المدارك، وهو العنصر الأهم في هذه المعادلة ليصبح المرء أكثر مرونة في الحياة، وأفضل أداءً في التعامل مع الآخر، وأكبر استيعاباً لأسباب النجاح والتميز، والتي تنعكس بدورها إيجاباً في تطور المجتمعات.. والمجتمعات بدورها لا تنفصل عن تنامي قدرات الأفراد.
ولهذا فإن قدرات الأفراد الخاصة تؤخذ بعين الاعتبار عند الرغبة بالانتساب إلى أهم جامعات العالم وأولها جامعة (هارفارد) التي تأسست قبل أربعمئة عام، والتي يفوق وقفها المالي الضخم مقدار الدخل القومي لعدد من دول العالم. إن المعايير التي تعتمدها مثل هذه الجامعات للانتساب إليها تركز بدرجة كبيرة على ثقافة الفرد، وحصيلة معارفه العامة، وقدرته على تقبل الآخر كما الأفكار الجديدة، أي باختصار سعة المدارك الفكرية والخيال، كأفق واسع في صحراء شاسعة.. إلى درجة أنها تسأل ذلك الراغب بالانتساب إليها: من هي الشخصية التي ترغب أن تكون عليها بعد عشر سنوات من انتسابك إلى جامعتنا؟
لقد استثمر الشعب الياباني شعاره في القراءة في مفردات حياته اليومية، ما دعم نهضته الحضارية الفائقة التي وصل إليها، كما استثمر صديقنا المبتكر الجريء قراءاته للفوز بحلمه، وقد شغف به فتبعه بعيداً عن الفوز بشهادته الجامعية. ويقال إن كثرة القراءة تغني المعرفة، وتنمي القدرة على حفظ المعلومات، كما تنمي الخيال القادر على الحلم.
فإذا ما كنا نتطلع إلى أهداف ذات آفاق.. وإذا ما أخلصنا لها وشغفنا بها أصبحت حقيقة شاسعة الآفاق، لا تقف عند حدود الأحلام فقط.

لينا كيلاني
التاريخ: الجمعة 5-4-2019
الرقم: 16949