«الظل.. وخياله»

 إذا كان كل من خيال الظل في سورية، ومسرح عرائس (الأراجوز) في مصر، من الفن الشعبي، قد اعتبرتهما منظمة اليونسكو جزءاً من التراث الثقافي الإنساني غير المادي صوناً للتراث الثقافي للبشرية، فالأولى بنا إذاً أن نحافظ عليهما من الاندثار، وأن نعيد إحياءهما بأساليب حديثة تعتمد ما هو متاح من تقنيات متطورة.
وإذا كانا أيضاً أي (خيال الظل)، و(الأراجوز) يعتمدان النقد السياسي، والمجتمعي الساخر موضوعاً لعروضهما فبإمكاننا الآن استبدال تلك المقولات التي كانا يتناولانها بأخرى معاصرة، ولو كانت الموضوعات الجديدة ستوضع تحت مرآة النقد الساخر واللاذع ما دامت السخرية قد تنامت في المجتمعات نتيجة للضغوط الاقتصادية، والأخرى الاجتماعية، ولظروف الحروب التي لم تبق ولم تذر.. فالفواجع أحياناً تحتاج لما يقلل من حدتها، ويخفف من وطئتها ولو كانت في السخرية التي تولدها المرارة.
وبما أن التراث بكل ما فيه حتى ذلك الذي تجاوزه الزمن في استخدامه يشكل ذاكرة أمة، ويعبّر عن هوية فإن إلغاء أي عنصر، أو جزء منه مهما كان صغيراً، أو تعريضه للانقراض، والاندثار سيجعل من ذاكرتنا الشعبية ذاكرة مثقوبة تسقط من مخزونها الثري بين حين وآخر بضعاً مما احتفظت به على مدى قرون وأجيال.. فلا نعود نؤصل لتاريخنا الشعبي، ولا نرسم مساراً لتطورنا الحضاري، والإنساني.
أليست تلك الأصوات التي تنطلق من منصات شبكات التواصل شبيهة بما يسمونها بـ (الزمارة)، وهي ذلك الجهاز الصغير الذي يستخدم لتعديل صوت (عروسة الأراجوز) عند تقديم عروضها لجمهورها؟.. ثم أليست شاشة الحاسوب شبيهة بستار القماش الأبيض الذي يسلط عليه الضوء لتتحرك دمى خيال الظل من ورائه، وهي ترمى بنكاتها في نقد لاذع للمجتمع؟.. ما أشبه الأمس باليوم إلا من اختلاف بسيط، وهو تغيّر الأدوات.. فقد استعضنا عن خيال الظل وملحقاته، وكذلك عن (الأراجوز) وتوابعه بشاشة حاسوب، وبرامج، أو مواقع نقف من ورائها.. وكأنه التراث المعاصر للبشرية.. لكنه ذلك الذي هو محكوم بأن ينقرض، وينتهي مع كل مرحلة حضارية جديدة، وعتبة متجددة من التطور.
وعلى الرغم من بساطة استخدام هذا الفن الشعبي الذي ظل مزدهراً حتى بدايات القرن العشرين، وقبل أن يخفت صوته، أو يختفي تماماً سواء للأراجوز، أم لخيال الظل، ومفرداته لا أكثر من (عدة) متواضعة للشغل، وعبارات مكتوبة تقع الحركة على إيقاع حروفها فإن هذا الفن الذي كان رائجاً منذ قرون، وكان يعتبر من أهم وسائل الترفيه آنذاك، والناس إذ يتفاعلون معه أخذاً وعطاءً فإنهم يقبلون عليه دون تردد، ووصل إلينا في نهاية مطافه، أقول إنه كان على بساطته عيناً فاحصة، ناقدة، ومراقبة للأخطاء المجتمعية، والسياسية، ونافذة لينفس منها الناس عن غضب مكبوت، أو أمل منشود.
وإذا كانت قائمة اليونسكو للتراث الإنساني قد حرصت على أن تضم إليها هذه الفنون التقليدية الشعبية التي انتقلت إلى منطقتنا العربية، وسادت فيها منذ العصر العباسي، والآخر الفاطمي، فإن الحفاظ عليها من الضياع، والاندثار، وعدم التفريط بها يعتبر نوعاً من الوفاء لفلكلور المنطقة، والأجدر بنا أن نطورها، ونعيد إحياءها ضمن أيام تراثية نقيمها لحفظ ذاكرتنا الشعبية، ولتأصيلها في الذاكرة الجمعية.. ولا يكفي أن نضع دمى هذه الفنون، ونصوصها المكتوبة ضمن أقفاص زجاجية في المتاحف لنوثق ما كان لدينا، بل إن إحياء هذه الفنون سواء في الأماكن السياحية، أم في المهرجانات الشعبية سيكون أكثر حفظاً لها من علب الزجاج، وأروقة المتحف، وغرفه.
فلنفتح صناديق التراث لتشع بكنوزها.. إذ يكفينا ما سُرق منها.. ففي التراث صون لهويتنا حتى لا يجرفنا تيار العولمة بعيداً عن موقع أقدامنا.. وحتى لا يتحول خيال الظل الى ظل في الخيال.

لينا كيلاني
التاريخ: الجمعة 12-4-2019
الرقم: 16955


طباعة