مرايا السينما والأسطورة

 

 

روائع الأدب العالمي أصبحت تقدم الآن للأطفال.. كأعمال (شكسبير)، و(سرفانتس)، و(برونتي)، وغيرهم.. فهل هذا يعني أن البشرية وصلت إلى حد من النضج بحيث أصبحت تقدم نتاج العصور الماضية لأطفالها الآن؟
هذا السؤال يتبادر إلى الأذهان.. لكن الإجابة عليه تحتاج إلى بحث، وتفصيل في مستويات عدة أهمها المرحلة الحضارية التي نعيش. أما (ألف ليلة وليلة) هذا الينبوع الثر من الخيال البشري، وأساطيره المجنحة التي فاقت كل ما مر من كنوز الشعوب، وآدابها الشعبية كانت لا تزال غافية رغم أن جوهرتها الثمينة تلألأت منذ القرن الماضي عندما اكتشفها الغرب، وكانت أساساً من أسس الرواية العالمية.
(ألف ليلة وليلة) بستان سحري فيه ما لا يحصى من القصص التي تصلح لأن تتحوّل إلى السينما، وتبقى مع ذلك تحمل رموزها فائقة الجودة، ومدلولاتها المعبرة ليسس عن شعوب الشرق فقط إنما عن أعماق النفس الإنسانية في مرحلة من مراحل استقرار الحضارة العربية من جهة، وانطلاق خيالها الشعبي من جهة أخرى.
فألف ليلة وليلة كما هو معروف ليس لها مؤلف معين، وإنما هي (تأليف) من كل الذين رووها، أو سمعوها، وكان كل منهم يضيف إليها ما يحلو له حتى أصبحت سِفراً ضخماً، وملحمة شعبية لا تنفذ على مر العصور.
إن مواضيع (ألف ليلة وليلة) قد تؤخذ على أنها مجرد خيال مجنح عن سحر الشرق، وأساطيره، وغموضه.. أو تؤخذ كمدلولات عن القيم، أو المفاهيم الحضارية التي كانت سائدة في المنطقة التي ولدت فيها، وربما لامست طموحات علمية، وأحلاماً للبشرية مثل (بساط الريح)، و(الفانوس السحري)، وغيرهما.. ولعل القصة التي تناولتها السينما أكثر من سواها هي قصة (علاء الدين).
لكن المهم في هذه القفزة الغربية نحو أعماق (ألف ليلة وليلة) هو فهم أسرار شخصياتها، وأبعادها الأسطورية، وجذورها التاريخية، وربما الروحية، والدينية أيضاً. ففي قصة (علاء الدين والفانوس السحري) فإن أبرز شخصياتها هو المارد القادر على كل شيء، وكذلك الفتى المغامر (علاء الدين).. والبراعة كل البراعة في توظيف هذه الشخصيات للوصول إلى السر الكامن فيها، أو البذرة التي تكونها، وتتمحور حولها هذه الشخصية.
إن شخصية المارد في جوهر القصة لم تكن لتخدم (علاء الدين) بمقدار ما كان يخدم المارد نفسه ليدفع ثمن انعتاقه من القمقم دون أن تعنيه تصرفات البشر سواء أكانت هدامة شريرة، أم بناءة خيرة. بينما أظهرت السينما الهوليودية ذلك المارد مطواعاً، ومستأنساً، وكأنه لم يفارق عالم البشر إلا لمدة قصيرة، أو كأنه كان من المفروض عليه أن يعود إليه.
هذه الشخصية الجديدة للمارد التي رسمتها له هوليود كانت أقرب إلى المفهوم المعاصر منها إلى حقيقتها القصصية.. بدليل أنه كان يناقش، ويعارض، وكأنه شريك في القرار. وكذلك هو حال (علاء الدين) كشخصية قريبة إلى الأذهان، ومغامراته أشبه بمغامرات الأبطال المعاصرين من أبطال الرياضة، والفن، وغيرهم.. والمهم عنده كما أولئك هو الوصول إلى الهدف بكل الوسائل، بل بأقصر السبل.
أما (ياسمين) الأميرة الجميلة في الفيلم فلم يكن لها خفر بنات الشرق، وسحرهن.. بل كانت إيجابية، واندفاعها نحو (علاء الدين) ليس اندفاع الحب المبهم، ولا رابطتها به هي رابطة المسحور بالساحر، بل إنه الإعجاب ببطولاته بنوع من الوعي، وبحضور لشخصية مستقلة، لا تابعة على خلاف ما هي عليه في القصة الأصلية.
وعلى هذا نستطيع القول إننا نعطي أي عمل أدبي رؤية معاصرة، ونستنتج منها الفكرة التي نريد.. إذ قد يكون الوقوف على الرؤية الأصلية لنص قديم لا يخدم الهدف منه بمقدار ما تفعل الرؤية المعاصرة.. فالقراءة آنذاك كانت تملك مفاتيح الذهن البشري لينطلق الخيال كما يشاء، كما كانت تملك أوراقها الرابحة في المعجزات السحرية مما أصبح محققاً الآن.
إنه التطويع، والتطوير للقص الخيالي، والأساطير، وملاحم الشعوب لتغدو أكثر إمتاعاً، وقرباً من القلوب، والأفهام. وربما لولا هذه النظرة المعاصرة التي تعتمد الموقف المترجرج والحائر بين الحلم والحقيقة، وبين الخيال والواقع، لما استطاعت مثل هذه الأفلام أن تستحوذ على إعجاب جماهيرها.
إنه الخيال البشري الذي يبدو كجبل شامخ لكن ذراته تجمعت حبة حبة على توالي السنين، فمن يدري ربما يأتي زمن يكون فيه بين الأيدي مصباح سحري يخرج منه مارد يتكلم، ويضع إمكاناته تحت تصرف صاحبه.. أو أليس هذا ما يشبه من قريب، أو بعيد جهاز (الكمبيوتر)، والإنسان الآلي، والأجهزة الصغيرة الأخرى والتي تعطي المعلومات بالصوت والصورة؟ وهذه المغامرات الأسطورية ألا يمكن أن تتشابه في المستقبل مع مغامرات أبطال معاصرين يتنقلون بين القارات بسرعة الريح وكأنهم يتنقلون بين النجوم؟
ولكن.. يظل الفضل في مثل هذه الأفلام الى الكنز الذي لا ينفذ لهذا الكتاب الثمين، أو لأمثاله من الكتب من سحر الشرق، وأعماق الهند، ولآلئ آسيا التي سبقت الحضارة المعاصرة بعشرات، بل بمئات القرون.

لينا كيلاني
التاريخ: الجمعة 26-4-2019
الرقم: 16965


طباعة